نقل نور النبي (ﷺ) إلى الغرب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

د.رشيد حميمز
أستاذ التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية

 

 

لقد بلغ الغرب مستوى عاليًا من التقدم التكنولوجي، لكن هذا التقدم لم يُرافقه ارتقاء روحي. نعم، نحن نعرف كيف نُنتج ونُصنّع، لكننا فقدنا البوصلة: لم نعد نعرف لماذا نفعل ذلك، ولا من أجل مَن. فالأدوات موجودة، ولكنها بلا قيم توجهها، يمكن أن تُسخّر للخير كما للشر.
في “رسالته المكتوبة للفرنسيين” عام 1855، من دمشق بعد نهاية منفاه في أمبواز، وصف الأمير عبد القادر — الصوفي و الصالح ورجل الدولة — ما يراه علمًا حقيقيًا: ليس تفوقًا تقنيًا ولا ادعاءً متغطرسًا، بل “القدرة على تمييز الصدق من الكذب في الأقوال، والحق من الباطل في المعتقدات، والجمال من القبح في الأفعال”.
لكن ما عاينه الأمير عبد القادر في زمانه هو أن التقدم التكنولوجي الذي أفرزته الثورة الصناعية منح الغرب تفوقًا واضحًا، لكنه كان مصحوبًا بفراغ روحي واضح. لقد أدرك هذا الخلل في معادلة القوة والقيم، لكنه لم يكن ليتخيل أن هذا الفراغ سيتسع بهذا الشكل المذهل بعده، وأن الجفاف القيمي الذي لاحظه آنذاك لم يكن ظاهرة عابرة، بل بداية لانحدار روحي طويل المدى.
القيم الكونية التي كان يُفترض أن ترفع الإنسان، فُرغت من معناها. أصبحت شعارات تُستعمل لخدمة السلطة والقوة والهيمنة. وفي هذا الفراغ الأخلاقي، يبدو أن الخلاص قد يأتي من نفحة مختلفة — نفحة من المعنى، من مكان آخر.
وقد تأتي هذه النفحة من الشرق. هذا ما أشار إليه الأمير عبد القادر في حديثه إلى نابليون الثالث، عندما كان في منفاه بفرنسا. فقد رأى أن المستقبل لا يكمن في الصراع بين الشرق والغرب، بل في اللقاء. لقاء صادق، يمكن من خلاله للإسلام — إذا حُمل بصدق واستقامة — أن يُقدم للغرب ما فقده: ضميرًا، وبوصلة، ومعنى أخلاقيًا للقوة.
ورغم الازدراء والحملات التي يُستهدف بها الإسلام، لا يزال اليوم من بين آخر الطرق القادرة على التوفيق بين التقدّم والعدل، بين التقنية والأخلاق.
لكن كيف يمكن لهذا الإسلام أن يتحدث إلى الغرب؟
الجواب: من خلال حضور من يعيشونه بعمق. لا بالكلمات فقط، بل بالأفعال. رجال ونساء يجعلون جمال هذه الرسالة مرئيًا من خلال سلوكهم، تواضعهم، ووفائهم للقيم.
هم من يجسّدون قول الله تعالى في وصف نبيه (ﷺ): “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”، وقوله: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”.
هؤلاء، رغم تواضعهم، هم الصادقون الذين يمكنهم أن يُحيوا الإسلام في قلب الغرب — لا بالفرض، بل بالمثال الحي. كالبذرة في أرض جافة، تُثمر حين تُسقى بالصدق والصبر والمعنى.
وفي الشهور الأخيرة، تأثّر كثيرون — خاصة في أمريكا — بما رأوه في غزة: إيمان، كرامة، تضامن، وقوة داخلية لشعب تحت القصف. أمام معاناة عُرفت بثقة في الله، بدأ البعض بالتساؤل، بالبحث، والالتفات نحو الإسلام.
لكن، هل يجب أن ننتظر مأساة، أو مجزرة، حتى تتحرك القلوب وتستيقظ الضمائر؟ حتى يلمس الإسلام الأرواح؟
هنا تبرز مسؤولية المسلمين في الغرب. عليهم أن يكونوا مرآةً لما يؤمنون به.
فعندما يقول الله لنبيه: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ”، فهذه ليست صفة فقط، بل دعوة. كأنه يقول لكل من يتبع هذا النبي الكريم: كن أنت أيضًا رحمة، حيثما كنت.
وهذه الرحمة لا تُرفع كشعار، بل تُعاش.
في سلوكك، في كلامك، في صمتك. هناك يعيش الإسلام، وهناك يأخذ معناه الحقيقي.
وقد قال الأمير عبد القادر في رسالته إلى الفرنسيين:
“رابطة الحياة في المجتمع، وأساس كل دين، يكمنان في استخدام أساليب تعزز المودة والصداقة، بحيث تنتج عنها المساعدة المتبادلة والدعم المشترك.”
لكي يكون للإيمان معنى، لا يجب إخفاؤه خوفًا من نظرات الآخرين، بل يجب أن يُقال بصدق: “إذا كنت هكذا، فبفضل هذا الإيمان”.
هو الذي يُفسّر الخير الذي فيّ، وهو ما يعطي لأفعالي معناها الكامل.
إن الإفطارات الجماعية التي تُنظّم تلقائيًا في رمضان، في أحياء المدن الأوروبية، لتخفيف الضيق — بغضّ النظر عن معتقد المستفيد — هي تجسيد حيّ لهذه الرحمة.
والصبر أمام الاستفزازات، والإهانات، والإسلاموفوبيا التي تغذّيها بعض الخطابات السياسية والإعلامية، هو أيضًا مظهر منها.
والخدمة بتواضع و تدلل، كما ذكّر سيدي منير بخصوص الشيخ الرفاعي، هي شكل آخر من أشكال الرحمة.
كذلك الوفاء بالعهود، واحترام الكلمة، هو أيضًا حياة لهذه الرحمة.
عندما يُترجم الإيمان الظاهر إلى نبل في التصرف، فإنه يلمس القلوب، ويوقظ الضمائر، ويُجبر كل فرد على أن يُعيد النظر في علاقته بالإنسان، وبالعالم، وبمعنى التقدم.
فإذا انعكس نور الإسلام في الذين يحملونه، فسنسمع قولًا جديدًا:
“لحسن الحظ أنني التقيت بمسلمين، جعلوني أُحبّ الإسلام.”
أما إذا غابت هذه الأنوار عن وجوههم وسلوكهم، فستظل تلك العبارة المؤلمة تتردد:
“لحسن الحظ أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين.”

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...