شبكة الشراكات الصينية في غرب آسيا: ما بعد عقلية الحرب الباردة نحو بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية
امیرمحمد اسماعیلی
(كاتب وباحث وطالب دكتوراه في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية)
في السياسة الواقعية التقليدية، تسعى القوى الصاعدة إلى إضعاف تحالفات القوى الراسخة لتوسيع نفوذها. يعتقد البعض أن شراكات الصين مع حلفاء الولايات المتحدة جزء من استراتيجية لفصلهم عنها. لكن هذا الرأي قديم، لأنه يتجاهل نهج الصين المختلف، الذي يقوم على بناء شراكات بدلاً من تحالفات، والتركيز على التنمية المشتركة بدلاً من التعاون الأمني التقليدي. ويعكس هذا النهج جهود الصين لتجنب تحدي تحالفات الولايات المتحدة بشكل مباشر.
تنطلق دبلوماسية الشراكة من فكرة أن التحالفات التقليدية لم تَعُد تواكب تطورات النظام العالمي. وخلال العقود الأخيرة، ابتعدت بكين عن التحالفات الرسمية، مفضّلةً شراكات مرنة ومفتوحة. وفي حين تسعى واشنطن إلى إحياء عقلية الحرب الباردة وإعادة ترتيب تحالفاتها في أوروبا وآسيا، تتجه بكين إلى نهج جديد يقوم على الشراكات بدلًا من التحالفات، وفق رؤيتها الخاصة لدور الصين في العالم.
ما يميز نهج بكين هو جعل الشراكات محور استراتيجيتها في السياسة الخارجية، حيث تحتل شبكة الشراكات موقعًا أساسيًا في رؤيتها الدبلوماسية. من بين ۱۸۲ دولة أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين، قامت ۱۱۳ دولة من مختلف القارات الخمس ببناء علاقاتها مع بكين على أساس الشراكة. وتشمل قائمة شركاء الصين مجموعة واسعة من الدول النامية، بالإضافة إلى الدول الغربية المتقدمة. علاوة على ذلك، أقامت الصين أشكالًا متنوعة من الشراكات مع أكثر من ۱۰ مناطق ومنظمات إقليمية ودولية. مع 42 تركيبة مختلفة من الشراكات، من الواضح أن الصين تصوغ وتطور لغتها الدبلوماسية بما يتناسب مع طبيعة علاقتها الخاصة بكل دولة.
تحالفات واشنطن وشراكات بكين: رؤى متناقضة لعالم متغير
رغم أن شبكة الشراكات الصينية ونظام التحالفات الأمريكي يعكسان ترتيبات دبلوماسية نشأت في سياقاتهما التاريخية، فإنهما يستندان إلى رؤى مختلفة للسياسة الدولية، مما يمنحهما أدوارًا متباينة. ظهر نظام التحالفات الأمريكي في زمن الحروب والمواجهات، وكان هدفه الأساسي ردع وتحييد التهديدات الأمنية التي كانت تشكل خطرًا على الولايات المتحدة وحلفائها. وبما أن التصور المشترك للعداء الخارجي هو حجر الأساس لهذا النظام، فإن أعضاؤه يرون العالم كساحة صراع لا ينجو فيها إلا الأقوى، ما يدفعهم إلى التكتل لمواجهة الخصوم والأعداء في معادلة صفرية، سواء كانوا حقيقيين أم محتملين.
على العكس، فإن شبكة الشراكات الصينية هي نتاج عصر العولمة والتعاون، وتهدف إلى تعزيز الثقة الاستراتيجية وتوسيع آفاق التبادل الاقتصادي والثقافي على نطاق متزايد. ورغم استمرار الخلافات في عالم اليوم، تشجع الصين الدول على إيجاد أرضية مشتركة لحل النزاعات. والأهم من ذلك أن شبكة الشراكات لا تقوم على افتراض وجود عدو مشترك، ولا تستهدف أي طرف ثالث. بل تسعى إلى إدارة العلاقات بين الدول بروح التعاون بدلًا من المواجهة، وبمنطق المكاسب المتبادلة بدلًا من المعادلات الصفرية. ببساطة، في نظام التحالفات، “عدو عدوي هو صديقي”، أما في شبكة الشراكات، فيمكن أن يكون “صديق عدوي صديقي أيضًا”.
ثانيًا، يختلف نظام التحالفات الأمريكي عن شبكة الشراكات الصينية في بنيتهما بشكل جوهري. يقوم نظام التحالفات على علاقة غير متكافئة، حيث تتصدر الولايات المتحدة المشهد كقوة مهيمنة، بينما يتبعها حلفاؤها في معظم الأحيان. ويعد هذا الهيكل الهرمي أداة فعالة لترسيخ الهيمنة الأمريكية فيما يُعرف بـ “السلام الأمريكي”. في المقابل، تدعو شبكة الشراكات إلى مبدأ المساواة بين الدول، حيث تقوم العلاقات على الاحترام المتبادل والتعاون المتكافئ، بعيدًا عن منطق التراتبية والسيطرة. لا تسعى شبكة الشراكات الصينية إلى الهيمنة، بل إلى بناء مجتمع تتعايش فيه الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، على أساس التفاهم والعمل المشترك لتحقيق المصالح المتبادلة. وهي تقوم على التعاون الاقتصادي القائم على التكافؤ والمنفعة المشتركة. بعبارة أخرى، التحالفات بطبيعتها إقصائية، فكلما قلّ عدد الأعداء، زادت هشاشتها. أما الشراكات، فهي شاملة، وكلما اتسعت دائرة أعضائها، ازدادت استقرارًا وقوة.
علاوة على ذلك، يختلف نظام التحالفات الأمريكي عن شبكة الشراكات الصينية من حيث مستوى المؤسسية. بشكل عام، يُعد نظام التحالفات أكثر تنظيمًا، حيث تستند علاقاته إلى معاهدات رسمية، مثل اتفاقيات الدفاع المشترك التي وقّعتها الولايات المتحدة مع اليابان وكوريا الجنوبية في أوائل الخمسينيات. وعلى المستوى الدولي، يُعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) مثالًا بارزًا، حيث نجح في دمج معظم حلفاء الولايات المتحدة ضمن منظومة أمنية متماسكة ذات هيكل مؤسسي قوي. أقام نظام التحالفات الأمريكي مؤسساته على مستويين: دولي ووطني. فعلى المستوى الدولي، نجح حلف شمال الأطلسي (الناتو) في توحيد معظم حلفاء الولايات المتحدة ضمن منظومة أمنية متماسكة وشديدة التنظيم. أما على المستوى الوطني، فقد عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في قواعد بعض حلفائها، مثل كوريا الجنوبية وأستراليا، بموجب اتفاقية وضع القوات، التي تنظم انتشار القوات الأمريكية في الدول المضيفة. في المقابل، تتمتع شبكة الشراكات الصينية بمرونة أكبر، حيث لا تفرض التزامات مؤسسية صارمة. فمعظم شراكات الصين الدبلوماسية تُبنى على بيانات مشتركة غير مُلزمة أو مبادرات سياسية واقتصادية، بعيدًا عن الهياكل العسكرية التقليدية.
دور الشراكات الصينية في إعادة تشكيل غرب آسیا
مع دخول القرن الحادي والعشرين، أصبح بناء شبكة شراكات عالمية جزءًا أساسيًا من دبلوماسية بكين كقوة كبرى ذات خصائص صينية. ورغم تمسكها بعدم الانحياز الجيوسياسي، فإن نهجها في دبلوماسية الشراكات في غرب آسیا ساهم، بشكل ملموس، في تقليص نفوذ القوى الكبرى الأخرى. وقد عزز هذا النهج التوجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، مما أسهم في تحقيق توازن أكبر في الساحة الدولية. وفي الوقت ذاته، شكّل آلية لمواجهة الهيمنة والأحادية، مؤكّدًا التزام الصين برؤية دولية تقوم على التعددية والتعاون المشترك. معظم حلفاء الولايات المتحدة في غرب آسیا هم أيضًا شركاء استراتيجيون للصين. وتأخذ شراكات الصين في المنطقة شكلين رئيسيين: ثنائية ومتعددة الأطراف. تشمل الشراكات متعددة الأطراف تعاون الصين مع تكتلات إقليمية بارزة، مثل جامعة الدول العربية (22 دولة عربية)، الاتحاد الأفريقي (10 دول عربية)، مجلس التعاون للخليج الفارسي (6 دول الخليج الفارسي)، اتحاد المغرب العربي (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا)، ومنظمة التعاون الإسلامي (57 دولة عضوًا).
أما الشراكات الثنائية، فتشير إلى دبلوماسية الشراكة بين الصين ودول غرب آسیا، وتشمل شراكات استراتيجية شاملة مثل تلك التي أقامتها الصين مع الجزائر (2014)، مصر (2014)، السعودية (2016)، إيران (2016)، والإمارات العربية المتحدة (2018). كما تشمل تعاونًا استراتيجيًا مع تركيا (2010)، وشراكة شاملة مبتكرة مع إسرائيل (2017). بالإضافة إلى ذلك، أقامت الصين شراكات استراتيجية مع قطر (2014)، الأردن (2015)، العراق (2015)، المغرب (2016)، السودان (2016)، جيبوتي (2017)، عُمان (2018)، والكويت (2018).
رغم وجود بعض نقاط التوافق بين دبلوماسية التحالفات الأمريكية ودبلوماسية الشراكات الصينية، فإن الخلافات بين الجانبين أمر لا مفر منه، بل إن الولايات المتحدة تعرقل أحيانًا توسع الشراكات الصينية. فعلى سبيل المثال، تواجه الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران تضييقًا شديدًا بسبب الضغوط الأمريكية، مما يحدّ من فعاليتها. وبينما تُصر واشنطن على عقلية الحرب الباردة وتسعى إلى إثارة الانقسامات لضمان هيمنتها، تطرح بكين نموذجًا مختلفًا يقوم على شراكات تعاونية وغير إقصائية، قائمة على مبادئ عدم التدخل والاحترام المتبادل.
في سوق إقليمي تنافسي تهيمن عليه الولايات المتحدة، حرصت الصين على ترسيخ حضورها بما يحقق مصالحها دون استعداء واشنطن أو أي من دول الخليج الفارسي. بدأت العلاقات بالتجارة، لكنها سرعان ما اتسعت لتشمل التمويل والاستثمار، ما جعل الروابط الاقتصادية أكثر تنوعًا وتعقيدًا. أما في إطار الشراكات الاستراتيجية، فقد تجاوزت العلاقات البعد الاقتصادي لتشمل السياسة والأمن، لكن بأسلوب متوازن يسمح لبكين بالحفاظ على الحياد وسط بيئة إقليمية. فبينما تفرض التحالفات على الصين الاصطفاف مع طرف ضد آخر، تمنحها الشراكات الاستراتيجية مرونة أن تكون “صديقة للجميع”.
منذ نشأتها، ارتبطت شرعية الدول العربية بالعامل الخارجي، وازداد اعتمادها عليه في مواجهة التهديدات الخارجية المحتملة. ولعبت القوى الغربية دورًا رئيسيًا في تشكيل صورة هذه التهديدات وتعزيز مخاوف الأنظمة الحاكمة. بدأت هذه العلاقة مع الوجود الاستعماري الفرنسي والبريطاني، قبل أن تحل الولايات المتحدة محلّهما كالقوة المهيمنة في المنطقة. وبمرور الوقت، أصبحت العلاقة الأمنية بين هذه الدول وواشنطن متداخلة بشكل وثيق، نتيجة عقود من التواجد العسكري الأمريكي والتعاون الأمني المستمر. نتيجة لذلك، أصبحت العلاقة الأمنية بين هذه الدول وواشنطن متشابكة بعمق، حيث جاءت امتدادًا لعقود من التواجد العسكري الأمريكي والتعاون الأمني الوثيق. إن أي منافسة بين القوى العالمية مبنية على عقلية الحرب الباردة ستجبر دول المنطقة على الاصطفاف خلف إحدى هذه القوى، مما قد يُعزز الهياكل المكرسة للهيمنة الدولية. لذلك، تسعى الصين، عبر شبكة شراكاتها، إلى خلق بيئة تُمكّن دول المنطقة من تفادي هذا الخيار القسري. وفي النهاية، يمكن لهذا النهج، القائم على التعاون القائم على المصالح المتبادلة، أن يُمهّد الطريق نحو بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وهو الرؤية التي تسعى بكين إلى ترسيخها في النظام الدولي.





