جنسية للبيع… وكرامة مستباحة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في طوريمولينوس الإسبانية، المدينة التي تغتسل بشمس الأندلس وتتباهى بشواطئها الهادئة، انكشفت جريمة من نوع خاص: موظف في السجل المدني، استغل سلطته ليبتز مهاجرين على أعتاب الجنسية الإسبانية، بتواطؤ مع عشيقته، قدّمت نفسها كـ”خبيرة” قادرة على تسريع الإجراءات، مقابل المال.

الضحايا لم يكونوا خارجين عن القانون، بل كانوا في آخر خطوة من مسار قانوني شاق، ينتظرون فقط أداء اليمين على الولاء للدستور والملك. لكن ذلك القسم، بدل أن يكون احتفالا بالاندماج، تحوّل إلى صفقة سوداء، ومقايضة وقحة بين الحق والابتزاز.

في بلد يُقدِّم نفسه على أنه نموذج لحقوق الإنسان، ويُدرّس مفاهيم المواطنة والتعايش في المدارس والجامعات، يُفاجَأ المهاجر بأن الورقة قد تُعلَّق، والملف قد يُجمَّد، والحلم قد يُباع.

ما حدث في طوريمولينوس كشف المستور, كشف أن هناك سوق سوداء في قلب الإدارة. لا يُتاجر فيها بالمخدرات، بل بالمواعيد، وبالحقوق، وبكرامة الإنسان.

قضية طوريمولينوس ليست سوى رأس جبل الجليد. ففي ألميرية، تم تفكيك شبكة تُزوّر عقود العمل للمهاجرين المغاربة مقابل آلاف اليوروهات، وفي مدريد، انتحل محام صفة المستشار القانوني للنساء المهاجرات وأجبر بعضهن على “دفع الثمن” بطرق مشينة. وفي برشلونة، نشأت شبكات منظمة تحجز مواعيد اللجوء إلكترونيا، ثم تبيعها للمتقدمين اليائسين بمقابل مالي.

بل أكثر من ذلك، في فالنسيا، تم الكشف عن مؤسسة تعليمية وهمية تمنح شهادات “الاندماج الثقافي” دون دروس أو حضور، فقط مقابل الدفع. هذه ليست حوادث معزولة، بل شُبكة من الابتزاز يمتد خيطها من الإدارات الرسمية إلى السماسرة في المقاهي، من المواقع الإلكترونية المظلمة إلى الأبنية البيروقراطية العتيقة.

السؤال الجوهري هنا: لماذا يصمت الضحايا؟
الجواب بسيط ومؤلم: لأن أغلبهم يخشون أن يتحولوا من ضحايا إلى متهمين. لأنهم يعرفون أن كلمة مهاجر، في نظر البعض، لا تزال مرادفا للغش أو الخداع أو الشك. ولأن من عاش سنوات من التهميش لا يجرؤ على الوقوف في وجه من يملك الختم والورقة والقرار.

أعرف من دفع وسكت. من ابتُزّ وصمت. من ظن أن الأمر عادي.
لكن لا، ليس عاديا أن تُباع المواطنة.
ليس عاديا أن تتحول الجنسية إلى خدمة تُشترى.
ليس عاديا أن يترسخ في أذهان المهاجرين أن عليهم دوما أن “يدفعوا أكثر” ليحصلوا على ما يحصل عليه غيرهم تلقائيا.

إن الدولة التي تغضّ الطرف عن استغلال المهاجرين داخل إداراتها، تفقد جزءا من مشروعها الأخلاقي. لا نطالب بامتيازات، بل بعدالة. لا نطلب استثناءات، بل تطبيق القانون على الجميع، موظفا كان أو مهاجرا، متورطا كان أو ضحية.

المواطنة لا تُقاس بورقة، بل بشعور الانتماء. وهذا الانتماء لا يمكن أن ينمو في ظلّ الابتزاز، ولا في ظلّ الاحتقار الصامت.

علينا أن نقولها بوضوح: الجنسية ليست منتوجا إداريا قابلا للمساومة، بل عقدا إنسانيا بين الفرد والدولة. وإن لم تحترم الدولة كرامة من يسعى إلى حمل جنسيتها، فإنها تهدم أساس العقد من أول بند.

ما حدث في طوريمولينوس يجب أن يُحاكم على أنه أكثر من مجرد احتيال. إنه جريمة ضد صورة الوطن، ضد معنى الانتماء، ضد قيمة العدالة.

وحتى لا تتحوّل إسبانيا إلى دولة تُباع فيها الهويات وتُشترى فيها الحقوق، يجب أن يُفتح تحقيق أوسع، ويُطلق نقاش صادق حول معاناة المهاجر في مواجهة الإدارة، لا في طوريمولينوس فقط، بل في كل شبر من أرض تُرفع فيها شعارات المساواة والعدالة وحقوق الإنسان.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...