روميصة.. طالبة دكتوراه و”عدوة أمريكا” الجديدة من الإفطار إلى الاعتقال.. حين تتحول الكلمة إلى سلاح والجهر بالحقيقة إلى تهمة
عبد القادر الفرساوي
في بلاد تُزين واجهاتها بعبارات الحرية والديمقراطية، لم يشفع لفتاة مسلمة اسمها “روميصة” أنها كانت تحمل في يدها وردة الكلمة لا سيفا، وأنها كانت تسير في طريقها إلى مأدبة إفطار رمضانية، لا إلى خلية إرهابية.
روميصة أوزتورك، شابة تركية تبلغ من العمر ثلاثين عاما، كانت تتابع دراستها العليا في جامعة تافتس العريقة بولاية ماساتشوستس. طالبة دكتوراه طموحة، حاصلة على تأشيرة دراسية قانونية، ومقيمة بشكل شرعي في الولايات المتحدة. كل شيء كان طبيعيا… حتى كتبت مقالة.
في مقال رأي نشرته في صحيفة جامعتها، طالبت روميصة الإدارة بوقف دعمها وتمويلها للشركات المرتبطة بإسرائيل. لم تستخدم خطاب كراهية، لم تدعُ للعنف، لم تهدد أحدا. لكنها قالت كلمة حق، وكانت تلك الكلمة كافية لتصير خصما في نظر الدولة.
وفي مشهد مأساوي التقطته عدسة أحد المارة، ظهرت روميصة تمشي في شارع مظلم، تتوجه نحو الإفطار، فجأة اقترب منها ستة رجال مقنّعين، أمسكوا بيديها، ولم يمنحوها حتى فرصة الكلام. سُحبت من بين صديقاتها كما تُسحب ورقة من كتاب لم يعجب الرقيب.
ما الجريمة؟ تسأل أمريكا.
الجواب: “دعم حماس”، تقول وزارة الأمن القومي، دون تقديم دليل. مجرد تهمة ملقاة في الهواء، دون ملف قضائي، دون محاكمة، دون محام حاضر أثناء التوقيف. وزاد الطين بلة، أن اسمها سُجل لاحقا في أحد مراكز الاعتقال بولاية لويزيانا.
قالت المحامية محسة خانباباي: “لا نعلم مكان موكلتي بدقة، ولم تُوجَّه لها حتى الآن أي تهمة رسمية”.
فمنذ متى يُعتقل الناس في أمريكا لأنهم كتبوا مقال رأي؟!
ومنذ متى يُسحب الإنسان من الشارع لأن قلبه ينبض لفلسطين؟!
لكن روميصة ليست وحدها. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أن السلطات الأمريكية قد ألغت أكثر من 300 تأشيرة لأجانب، من بينهم طلاب وباحثون، بسبب “صلاتهم بجماعات إرهابية” – بحسب وصفه.
“نفعل ذلك يوميا”، قالها روبيو بابتسامة، ثم أضاف: “أتمنى أن ينفد عددهم… نحن نبحث عنهم كل يوم”.
ولم ينس روبيو أن يُهاجم روميصة مباشرة، متهما إياها بالمشاركة في الاحتجاجات الجامعية التي اندلعت العام الماضي ضد الهجوم الإسرائيلي على غزة. قال بوضوح: “من يأتي بتأشيرة طالب ليكتب مقالات رأي ويشارك في احتجاجات، عليه أن يعرف أننا سنسحب تأشيرته. هذه ليست حرية، هذه فوضى”.
وهكذا، في بلد وُلد على أنقاض المنفى، وصنع تاريخه بالهجرة والأقلام، تحوّلت الكتابة إلى تهمة، والإفطار إلى جريمة، والاسم المسلم إلى قرينة إثبات.
أمريكا التي احتفت يوما بمارتن لوثر كينغ، أصبحت تعتقل طلابا لأنهم يقولون: “فلسطين تستحق العدالة”.
أمريكا التي علمت الدنيا معنى الصحافة، أصبحت تجرّم الرأي إذا لم يكن مطابقا لـ”رواية الحليف الإسرائيلي”.
فماذا تبقّى من قيم الحريات إن كانت لا تُمنح إلا لمن يصمت؟
وماذا تبقّى من الديمقراطية إن كانت تعني أن تقول ما يريدون أن تسمعه فقط؟
روميصة أوزتورك لم تكن سوى طالبة. لكن الآن، صارت رمزا. رمزا لزمن تنقلب فيه الموازين، وتُطارد فيه الكلمة كما تُطارد القنابل.
قد تكون خلف القضبان الآن، لكن صوتها… أقوى من كل الأقفال.





