جنوب السودان… حين تُقيّد المعارضة وتُحرّض الحرب الاعتقال المنزلي لرياك مشار يُنذر بانفجار جديد في وطن لم يُرمم جراحه بعد
عبد القادر الفرساوي
في جنوب السودان، لا يبدو أن لترات الدم التي سالت طيلة خمس سنوات من الحرب الأهلية كافية لإشباع نهم السلطة. فحينما يُعتقل رجل السلام، تتحرك البنادق من جديد، وحينما تُخنق المعارضة، يُفتح الباب على مصراعيه أمام شبح الحرب.
رياك مشار، نائب الرئيس وزعيم المعارضة التاريخي، أُخضع منذ أيام للإقامة الجبرية، في خطوة وصفها حزبه، الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة، بأنها “انتهاك صارخ” لاتفاق السلام الموقع عام 2018، والذي أنهى رسميا حربا حصدت أرواح نحو 400 ألف شخص، وأغرقت البلاد في بؤس لا يوصف.
الناطق باسم الحركة، بال ماي دينق، أكد الخبر بأسى: “ما حدث لمشار يهدد الاستقرار الهش، ويُعيدنا إلى نقطة الصفر. لقد عاد إلى جوبا تحت ضغط من القادة الإقليميين والدوليين لإنجاح عملية السلام، فكيف يُكافَأ اليوم بالحصار والكمين السياسي؟”.
منذ بداية مارس، طوقت القوات الأمنية منزل رياك مشار، ولم تمنعه من التنقل إلا مؤخرا، في وقت يغلي فيه الشارع بتوتر مكتوم. لم يُعلن رسميا عن تُهم، ولم يُمنح حق الدفاع، بل كل ما في الأمر أن صوته بات يزعج من في القصر، فكان القرار: تكميم المعارضة قبل أن تتكلم، ولو بالدستور.
وفي الوقت ذاته، تُعاني جارتها الشمالية – جمهورية السودان – من حرب ضروس بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث أعلن الفريق عبد الفتاح البرهان “تحرير الخرطوم”، بينما لا تزال جثث المدنيين تبحث عن قبر، والأطفال عن قطرة حليب.
وهكذا، يبدو أن النيلين ( شمالا وجنوبا ) قد صارا مسرحا مفتوحا للحروب المتكررة، تحركها أياد إقليمية ودولية، وتُدفع فيها الشعوب فواتير لا نهاية لها.
ما يثير الاستفهام ليس فقط اعتقال رجل كان أحد وجوه المصالحة، بل هذا الصمت الإقليمي والدولي المتواطئ. أين الاتحاد الإفريقي؟ أين الأمم المتحدة؟ أين الضامنون لاتفاق 2018؟
هل كانت بنود الاتفاق حبرا على ورق؟ أم مجرد هدنة لتجديد الذخائر؟
إذا ما انفرط عقد السلام، فإن جنوب السودان لا يحتمل حربا أخرى. فالمخيمات ما تزال قائمة، واللاجئون لم يعودوا، والبنية التحتية لا تزال رمادا، والآلام لم تجد بعد طريقا للضماد.
جنوب السودان اليوم على شفير الهاوية، وأي خطأ في الحسابات قد يعيد البلاد إلى جحيم الحرب الأهلية، التي لا رابح فيها سوى تجار السلاح، والوسطاء الدوليون، والمحللون السياسيون من نوافذ الفنادق.
أما المواطن العادي، فهو وحده من يدفع الثمن: جوعا، ونزوحا، ونسيانا.





