عبد القادر الفرساوي
في زاوية من زوايا مستشفى الزموري بالقنيطرة، وبين صرخات ألم الولادة ودعوات أمهات يتشبثن بالحياة، اختلطت الدموع بالذل، وتحوّلت بعض أروقة قسم التوليد إلى فضاء موحش لا يرحم، حيث لا قيمة للآدمية، ولا كرامة للفقير، ولا توقير للمسن، ولا رأفة بصراخ الوليد قبل أن يلتقط أول أنفاسه.
في ذلك الصباح، لم تكن “ف.ج” تتوقع أن صراخها المخنوق من وجع المخاض سيُقابل بوجه جامد وقلب بارد. كانت تحمل بطاقة “راميد” بيد، ودموع الرجاء في الأخرى، لكن الممرضة كانت لها عيون لا ترى سوى (الزرقالاف)، الورقة ذات الألفين درهم، ولسان لا ينطق إلا بلغة: “من لم يدفع، فلينتظر… وقد لا يجد من يلتفت إليه”.
لم تكن المأساة حالة شاذة، بل واقعا تتكرر فصوله في صمت، حتى قررت أسرة إحدى المريضات أن تكسر حاجز الخوف وتبلغ عن الحادثة. اتصلوا بالرقم الأخضر، وكان ذلك الاتصال كصرخة في صحراء، لعلها تجد آذاناً لا تطلب رشوة قبل أن تستمع. وهكذا تم نصب كمين بإشراف النيابة العامة، ووقع من كان يبيع الألم ويقبض على وجع الناس، في حالة تلبس!
المشهد لم يكن مسرحا، بل كان واقعة موثقة، حارس أمن خاص وممرضة داخل قسم التوليد يتقاسمان “الرشوة” وكأنها أجر إضافي على المعاناة، يطلبان مالاً مقابل تقديم أبسط حق إنساني، هو الرعاية الصحية.

أين ضمير هؤلاء؟ كيف يغمض الموظف عينيه أمام أُم تتوسل ألا تفقد جنينها؟ بأي قلب يقف حارس ليمنع الدخول إلا بورقة نقدية؟ وأين هي قيم الرحمة حين تتحول لحظات الولادة من حدث يملؤه الرجاء إلى كابوس يتطلب رشوة كي يبدأ؟
الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان ثمنت يقظة النيابة العامة، وأشادت باحترافية رجال الأمن، ولكنها، مثلنا جميعا، وقفت مشدوهة أمام عمق الجرح: مستشفى جديد يُفترض فيه أن يكون ملاذا، فإذا به يتحول إلى ساحة ابتزاز، حيث تباع الخدمة الطبية كسلعة، وتُؤخر العناية حتى تدفع “الثمن”.
إنه لأمر مؤلم أن تبكي الأمهات من الألم… ثم تبكين من الذل! أن تتأخر الممرضة عن مريضة في نزيف، لأنها منشغلة بعدّ النقود! أن يُستدعى الطبيب فقط إن أظهرت أنك ابن أحد أو جيبك ممتلئ!
القضية ليست فقط في اعتقال اثنين، بل في هذا التراكم المؤلم من السلوكيات التي تُهين المواطن في لحظات ضعفه. إن المرض لا يعرف الانتظار، والكرامة لا تُقايض. والمستشفى ليس سوقا، بل بيتا للرحمة.
الآن، ونحن نتابع هذه القضية، لا نطلب فقط المحاسبة، بل نريد تطهيرا كاملا لهذه الفئة التي أساءت إلى الشرف المهني، وإعادة الاعتبار لكل مريض أُهين، ولكل أمّ دُفعت لتدفع! نريد مستشفى لا يطلب رشوة، بل يسأل: “كيف حالك؟” قبل أن يسأل عن أي شيء آخر.
فهل سيأتي اليوم الذي لا تُدفع فيه الرشوة كي يولد طفل بكرامة؟ هل سيُنظر إلى الفقير كإنسان، لا كفرصة للابتزاز؟ ننتظر الجواب من وزارة الصحة… ومن ضمائرهم إن بقي فيها شيء حي.





