عبد القادر الفرساوي
في رواية الطموح، حيث تعاد صياغة المبادئ على مقاس الشهرة، يبرز اسم منير نصراوي، والد الموهبة الكروية الصاعدة لامين يامال، كأحد أكثر الأسماء إثارة للجدل. لا لأنه لاعب، ولا لأنه سياسي، بل لأنه مثال حي على كيف يمكن للأب أن يتحول من ظل داعم إلى ضوء كاشف لأسئلة معقدة حول الهوية، والانتماء، والمصلحة.
ففي مقطع فيديو يعود إلى عام 2022، يظهر منير نصراوي بقميص ريال مدريد، يهتف مبتهجا بفوز فريقه المحبوب على برشلونة في كلاسيكو شهير انتهى بثلاثية للملكي. كان حينها أحد أنصار “الميرينغي”، يحمل لونهم في قلبه، ويقف وسط المدرجات كواحد من أبنائهم العاطفيين. لكن ذات الرجل، بعد أقل من عامين، تغير كليا. صار برشلونيا متحمسا، يتغنى بالنادي الكتالوني، ويتحدث في الإعلام عن ابنه الذي يصفه بـ”المعجزة”، بل ويقارن بينه وبين ميسي قائلا دون تردد: “لامين أفضل من ميسي”.
ولأن الجدل لا يأتي وحيدا، فقد طفت على السطح قضية أعمق من انتماء كروي. قرار منير أن يلعب ابنه لصالح المنتخب الإسباني عوضا عن المغرب لم يكن مجرد خيار رياضي، بل موقف رمزي يفتح بوابات التأويل: أهو تنكر للوطن؟ أم رؤية استراتيجية لمستقبل واعد؟
الحقيقة أن منير لم يظهر أي تردد في دعم هذا الخيار، ولم يسعَ حتى لتقديم تبرير أخلاقي أو عاطفي. وكأن المغرب لم يكن إلا محطة في أوراق ثبوتية قديمة، لا أثر لها في قرارات الحاضر. في المقابل، التزم الصمت حين حاول الاتحاد المغربي التواصل مع ابنه، ليجد المغاربة أنفسهم أمام نجم من لحمهم ودمهم، لكنه يضيء سماء لا يرفرف فيها علمهم.
وربما لا يمكن فهم هذه المواقف دون النظر إلى الخلفية الاجتماعية للرجل. فقد نشأ منير في أحد الأحياء الفقيرة بشمال برشلونة، حي روكافوندا تحديدا، حيث البطالة والجريمة جزء من تفاصيل اليومي. وهناك، في شهر غشت 2024، تعرض لطعنات خطيرة بعد شجار غريب نشب إثر رش الماء عليه من شرفة أحد السكان. لم تكن تلك الطعنات فقط جسدية، بل كانت كشفا عن بيئة هشة، يعيش فيها والد نجم عالمي بقيمة سوقية تفوق 180 مليون يورو، لكنه لا يزال عالقا في أزقة الفوضى.
ووسط هذا كله، يتكشف جانب آخر من شخصية منير: رجل لا ثبات له في الحب ولا في الولاء. تماما كمن يشبه امرأة أحبت رجلا حد النشوة، كتبت له الشعر والنثر، مدحته في كل محفل، ثم حين طُلّقت منه، تزوجت غيره، وبدأت تقول للثاني الكلمات ذاتها، بل وأكثر: “ما أحببتُ رجلاً في حياتي كما أحببتك”… أهو الحب؟ أم تقلب المصلحة؟
منير كان مدريديا بالأمس، برشلونيا اليوم، وغدا؟ الله أعلم أي قميص سيرتديه.
ولعل الأدهى، أنه لم يُربِّ ابنه على الاعتزاز بالهوية، بل على حسن القراءة في دفتر السوق. الهوية بالنسبة له كانت بطاقة عبور فقط، وليست قصة تُروى. وإن كان الوطن شجرة، فهو قرر أن يقطف ثمرتها دون أن يسقي جذورها.
هكذا يتحول الأب من حام إلى متفرج، من مرشد إلى موجه للإعلانات، من مغربي الأصل إلى إسباني الانتماء، حسب ما تقتضيه المرحلة. وبينما يحتفل برشلونة بنجم جديد، تحتفل المصالح بولادة أب بلا ماض.
أما المغرب، فليس عليه أن يندم، بل أن يفهم: من لا يقف معك في الظل، لا يحق له أن يشاركك النور.
وللحديث بقية.





