عبد العزيز العمراني
أستاذ الدراسات الأدبية والثقافية
المغرب
تُعدّ الدراسات الثقافية من أبرز الحقول المعرفية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، متجاوزةً الحدود الصارمة بين التخصصات، ومؤسسةً لرؤية جديدة تُعلي من شأن الثقافة باعتبارها ميدانًا للصراع الاجتماعي، ومجالًا لكشف علاقات القوة والهيمنة والتمثيل. وقد انطلقت هذه المقاربة أول ما انطلقت في بريطانيا، ضمن سياق تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، وكان من أبرز روادها رايموند وليامز، الذي أعاد تعريف مفهوم الثقافة ليشمل أنماط الحياة اليومية، واللغة، والتقاليد، والرموز، واعتبرها مكونًا مركزيًا لفهم السلطة والمجتمع. كما يُعدّ ريتشارد هوغارت وستيوارت هول من الأسماء البارزة التي أسهمت في ترسيخ هذا الحقل المعرفي، حيث تفاعلت كتاباتهم مع التحولات الطبقية، والهُويات العرقية، والإنتاج الرمزي.
في مركز الدراسات الثقافية المعاصرة بجامعة برمنغهام، وُضع الأساس النظري والمنهجي لهذا الحقل على يد مفكرين أمثال ستيوارت هول، الذين تبنّوا الماركسية الثقافية، والنقد البنيوي، وتحليل الخطاب، لفهم كيفية عمل السلطة داخل المجتمع عبر المؤسسات والإعلام والتربية واللغة. لقد جاءت الدراسات الثقافية كرد فعل على التخصصات الأكاديمية التقليدية التي كانت تفصل بين الثقافة والحياة اليومية، وتتجاهل دينامية السلطة الكامنة في الخطاب والتمثيلات الاجتماعية، وهو ما جعل من هذا الحقل مشروعًا نقديًا بامتياز، يستهدف تحليل العلاقة بين الثقافة والسلطة، وكشف الأنساق المضمرة التي تشرعن التراتبيات الاجتماعية وتُعيد إنتاج التمييز واللامساواة.
ومع انتقال الدراسات الثقافية إلى الولايات المتحدة، ازدادت توجهًا نحو تفكيك منظومات التمييز المرتبطة بالعرق، والنوع، والجندر، والهُوية، وأصبحت تُوظّف نظريات ما بعد الاستعمار، والنقد النسوي، ونقد العولمة، في تحليل الخطابات السائدة، وتمثيلات الآخر، واللامساواة البنيوية. كما اتسعت مجالات اهتمام هذا الحقل لتشمل الأدب، والإعلام، والسينما، والموسيقى، والفضاء الرقمي، وغيرها من أشكال الإنتاج الرمزي.
في السياق العربي، وصلت الدراسات الثقافية متأخرة نسبيًا، ولكنها وجدت صدى لدى نقاد ومفكرين سعوا إلى مساءلة النسق الثقافي العربي السائد، وكشف أنساقه المضمرة، ومن أبرز هؤلاء الناقد السعودي عبد الله الغذامي، الذي أسس لما سماه “النقد الثقافي”، باعتباره بديلًا عن النقد الأدبي الكلاسيكي، ومشروعًا معرفيًا يسعى إلى تفكيك البُنى العميقة للثقافة العربية، وكشف آليات اشتغالها الرمزي التي تُكرّس الهيمنة الذكورية والتراتبية القيمية. وقد ركّز الغذامي على ما سماه “النسق الثقافي المضمَر”، أي تلك البُنى غير المرئية التي تشكل وعي الجماعة وتوجه سلوكها دون وعي منها، ما يجعل مهمة الناقد هي فضح تلك البُنى وكشف لا معقوليتها وأثرها في إعادة إنتاج الظلم والتهميش.
أما في المغرب، فقد تم استقبال الدراسات الثقافية أساسًا داخل أقسام اللغة الإنجليزية وآدابها، حيث شكّلت هذه الأقسام فضاءً رحبًا نسبيًا لتجريب مقاربات جديدة، خارج الإطار التقليدي للنقد الأدبي. ويُعدّ الأستاذ خالد البكاوي، أستاذ الأدب الإنجليزي والدراسات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز بفاس، من الآباء المؤسسين لهذا الحقل في السياق المغربي. فقد ساهم بجهد أكاديمي واضح في ترسيخ هذا الحقل المعرفي، عبر تدريسه، وإشرافه، وتأطيره لجيل جديد من الأساتذة والباحثين الشباب، الذين انخرطوا بدورهم في توظيف أدوات التحليل الثقافي لفهم الديناميات السياسية والاجتماعية والثقافية بالمغرب، لا سيما تلك المتعلقة بالسلطة، والهوية، والتمثيل، والهامش. وقد لعب دورًا محوريًا في تكوين جيل من الباحثين الذين يُسائلون الخطابات المهيمنة، ويفككون التمثلات الاجتماعية المتجذرة في الوعي الجمعي.
ورغم هذا الإسهام الأكاديمي الوازن، فإن الواقع السياسي والحقوقي في العالم العربي يفرض نوعًا من الرقابة الذاتية على المشتغلين بهذا الحقل، إذ غالبًا ما يُجبر أستاذ الدراسات الثقافية على تجنّب الخوض في القضايا الحساسة التي تشكل في الأصل جوهر هذا التخصص، كالمساءلة النقدية لآليات السلطة، ومناقشة السياسات الرسمية، وتحليل الخطابات التي تُنتج الهيمنة، أو الدفاع العلني عن القضايا العادلة في فلسطين، أو عن الفئات المقهورة داخل المجتمع. وهو ما يُفقد هذا الحقل الكثير من فعاليته النقدية، ويحوّله في أحيان كثيرة إلى تمرين نظري معزول عن واقعه الحقيقي. إن اشتغال الأكاديمي بهذا الحقل في السياق المغربي والعربي عمومًا يتطلّب قدرًا كبيرًا من الشجاعة، والوعي السياسي، والالتزام الأخلاقي، إذ يغدو الحقل نفسه ساحةً للصراع الرمزي بين المعرفة والرقابة، بين النقد والامتثال.
الحقيقة أن الدراسات الثقافية، بما هي مشروع نقدي تحرّري، لا يمكن أن تقف على الحياد أمام الظلم، ولا أن تُعقّم من بعدها الأخلاقي والسياسي. فهي تدعو إلى العدالة، والمساواة، ونُصرة المهمشين والمضطهدين، وتستلزم شجاعة فكرية وموقفًا أخلاقيًا واضحًا من قبل مَن يُدرّسها. لا يجوز للأستاذ الجامعي في هذا السياق أن يلوذ بالمجردات النظرية، أو أن يختبئ وراء المفاهيم الأكاديمية هربًا من مساءلة الواقع. بل إن تدريس هذا الحقل يفترض من الأستاذ أن يكون منخرطًا في مجتمعه، مؤمنًا بقدرة المعرفة على التغيير، ورافضًا لكل أشكال القمع والاستبداد.
لكن هذا الموقف الشجاع يصطدم، في الغالب، بعوائق بنيوية، أبرزها غياب الحريات الأكاديمية، وهيمنة العقل الأمني على الفضاء الجامعي، وغياب الحماية القانونية والفكرية للأساتذة الذين يغامرون بقول ما يجب أن يُقال. كما أن الإلحاح المؤسساتي على ما يسمى “الحياد الأكاديمي” كثيرًا ما يُفرغ الحقول المعرفية من مضمونها السياسي، ويحولها إلى أدوات تزكية للوضع القائم بدل مساءلته. إن هذا التوتر القائم بين ما تقتضيه طبيعة الدراسات الثقافية، وما يفرضه الواقع الجامعي والسياسي العربي، هو ما يجعل هذا الحقل من أكثر الحقول حاجةً إلى الشجاعة، وأكثرها عرضةً للتهميش والتأويل.
ومع ذلك، تظل الدراسات الثقافية أداة قوية لفهم الذات والمجتمع، ومحركًا لإعادة التفكير في المسلّمات، وتحرير الوعي من القوالب الجاهزة، إذا ما أُتيح لها أن تُمارَس في مناخ من الحرية الفكرية والاستقلال الأكاديمي. فما أحوجنا اليوم إلى خطاب ثقافي نقدي يواجه العنف الرمزي، ويُسائل علاقات القوة، ويقف في صف من لا صوت لهم، لا من أجل التنظير، بل من أجل الفعل والتغيير.





