عبارة “لِكُلِّ غايَةٍ مُفِيدَة”: سِيَاجُ السُّلْطَةِ المُقْفَلُ بِمِفْتَاحِ شفرة الإِبْهَام..!
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
– أولاً: الغموض بوصفه تقنيّة: في السلطة المضمرة للخطاب الإداري
لا تنشأ الصيغ الإدارية في فراغ؛ فهي تحمل في طياتها رواسب التاريخ المؤسسي، وتعكس، في بنيتها اللغوية، خيارات ضمنية حول طبيعة السلطة وأساليب ممارستها. وعبارة «لكل غاية مفيدة»؛ الترجمة العربية للتعبير الفرنسي «à toute fin utile»؛ ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل هي، على وجه التحديد، نموذج يكشف بجلاء كيف يمكن لفعل الترجمة أن يتحول من نقل دلالي إلى إعادة بناء سلطوي.
فالتعبير الفرنسي في سياقه الأصلي يؤدي وظيفة إجرائية محددة: يُنبّه المتلقي إلى أن الوثيقة قابلة للتوظيف متى اقتضت الحاجة، وهو ما يمكن صياغته بـ«عند الاقتضاء» أو «للاستعمال عند الضرورة».
غير أن الترجمة العربية أنتجت تركيباً من نوع مختلف؛ إذ تُحيل لفظة «الغاية» إلى مقصد نهائي لا يُعيَّن، فيما تبقى «الفائدة» معياراً مبهماً يفتقر إلى الضابط التعريفي. وهكذا، بدلاً من أن تُضيّق العبارة مجال التأويل، فتحت أمامه آفاقاً لا تحدها إلا السلطة التقديرية لمن يملك حق التأويل.
هذه الملاحظة التي قد تبدو في وهلتها الأولى تدقيقاً في صياغة إدارية، تكشف عند الفحص الدقيق عن بنية أعمق: إن الغموض هنا ليس نتاج إهمال أو قصور في الترجمة، بل هو سمة وظيفية تؤدي دوراً محورياً في إعادة إنتاج هياكل السلطة البيروقراطية — وامتداداً لذلك، في إعادة إنتاج بعض أشد الأنماط الاجتماعية التزاماً بالأذى المُقنَّع.
– ثانياً: التحليل: الغموض بوصفه بنية، لا عيباً
يقوم الخطاب الإداري الكلاسيكي على مبدأ الشفافية الإجرائية: كل وثيقة تُحدد مرسِلها ومتلقيها وموضوعها والإجراء المترتب عليها. غير أن عبارة «لكل غاية مفيدة» تعمل خارج هذا المنطق؛ فهي لا تُعيّن غاية، ولا تُلزم بإجراء، ولا تُحدد مسؤولية. إنها تمرير للمعلومة في صورة إحالة مفتوحة، تاركةً المتلقي في حالة من التأهب المعلّق: يُدرك أن ثمة أمراً ذا شأن، لكنه لا يعلم ما المطلوب منه تحديداً، ولا متى يُستدعى، ولا كيف يُوظَّف.
وهذا التعليق المقصود للدلالة هو ما يجعل العبارة آليةً لإدارة المعنى لا مجرد نقله. فحين تُصاغ الرسالة الإدارية على شكل «بلغ إلى علمكم، لكل غاية مفيدة»، فإنها تؤدي ثلاث وظائف متزامنة: تُحصِّن المرسِل من تهمة الإخفاء أو التقصير، وتُبقي الموقف قابلاً للتكييف وفق ما تستجد من ظروف، وتُرسّخ في الوقت ذاته هيمنة المركز على تفسير الواقعة وتقدير آثارها. والحصيلة أن الغموض لا يُضعف السلطة، بل يُضاعفها؛ إذ يُتيح للجهة الأعلى أن تتدخل في أي لحظة لإعادة تعريف ما كان ينبغي فهمه أو اتخاذه.
ولعل ما يُعمّق هذه الإشكالية هو أن العبارة لا تعمل بمعزل، بل تُوظَّف في الغالب ضمن صيغ تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ«الخطاب الشبه-إجرائي»: تعبيرات كـ«تناهى إلى مسامعي» أو «يُشاع» أو «أُحيطكم علماً»، وكلها تنقل معلومة دون أن تُلزم بموقف، وتُنبّه دون أن تُلزم بفعل. وبذلك يتشكّل نظام تواصلي كامل قائم على ما يمكن تسميته بـ«الالتزام المنقوص»: يُؤدي المرسِل واجب الإعلام، لكنه يحتفظ في الوقت ذاته بحرية تحديد ما تعنيه تلك المعلومة وما تستوجبه من ردّ.
وهنا يطرح التحليل السوسيو-قانوني سؤالاً جوهرياً يتجاوز حدود الصياغة اللغوية: إلى أي حد تعكس هذه البنية الخطابية نمطاً مؤسسياً أعمق، يقوم على مركزية التقدير وهيمنة التأويل بدلاً من الوضوح الإجرائي وتوزيع المسؤوليات؟ وهل الغموض الوظيفي في الخطاب الإداري تعبير عرَضي عن ثقافة بيروقراطية، أم مكوّن بنيوي لا غنى عنه في إعادة إنتاج هياكل السلطة؟
– ثالثاً: البعد الأخلاقي: الوشاية في رداء النصيحة
غير أن التحليل المؤسسي للعبارة، على أهميته النظرية، يظل منقوصاً ما لم يواجه وجهها الآخر: وجهها الذي تتخفى فيه القمةُ في المكر والخُبث، لا بوصفها أداة إدارية فحسب، بل سلاحاً اجتماعياً مُقنَّعاً. إنه وجه الوشاية في رداء النصيحة، والإيذاء في هيئة الاهتمام، والتوصية المضمرة للشر.
وهنا تحديداً ينكشف مستوى آخر من الخبث البنيوي الذي تُتيحه العبارة؛ إذ تمنح صاحبها ثلاثة دروع في آنٍ واحد:
1. درع النية: «أنا لم أقصد إلا الخير»؛ وهو ما تُوفره العبارة صراحةً في صيغتها التلطيفية.
2. درع الصدق الجزئي: المعلومة قد تكون صادقة في ظاهرها، لكنها مُنتقاة ومُوجَّهة بعناية ماكرة بما يُنتج أثر الكذب دون الوقوع في حرفيته.
3. درع الإجراء: «أنا فعلت ما يقتضيه الواجب بالإحاطة والإبلاغ»؛ والباقي على من يتلقى.
وما يجعل هذا النوع من الوشاية أشد إيذاءً من الاتهام الصريح هو أنه يُعطّل آليات الدفاع الطبيعية لدى الضحية؛ فالمُوشى به لا يواجه خصماً يمكنه مجابهته، بل يواجه «مُحسناً» يلحن في حجته زخرف القول: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. يصعب الرد عليه دون أن يبدو المرء سيء الظن أو جاحداً للمعروف.
ولعل من أغرب مفارقات هذه العبارة أن سلطانها لا ينتهي بانتهاء الصفة الإدارية لصاحبها. فكثيراً ما يظل بعض الأفراد أسرى الثقافة البيروقراطية حتى بعد مغادرتهم مواقع المسؤولية أو إحالتهم على التقاعد، فيواصلون توظيف الأدوات الرمزية ذاتها خارج المجال الإداري الذي أفرزها. فتنتقل العبارة من كونها صيغةً للتخاطب المؤسسي إلى آليةٍ للتأثير الاجتماعي وتوجيه الانطباعات وصناعة الأحكام المسبقة.
وفي هذه الحالة، لا تعود تؤدي وظيفة الإحاطة أو الإخبار، لأن صاحبها لم يعد جزءاً من السلسلة الإدارية التي تمنحها أصلًا معناها الوظيفي، وإنما تتحول إلى غطاء لغوي لتمرير مزاعم أو إشاعات أو معلومات مبتورة عن سياقاتها، يُراد لها أن تبلغ غايتها دون أن يتحمل قائلها تبعة مقاصدها. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ يبقى الخطاب محتفظاً بملامح الحياد الإداري، بينما يكون قد فقد شروطه المؤسسية والأخلاقية معاً.
ومن ثمّ، فإن أخطر ما في هذا الاستعمال ليس مجرد احتمال الكذب أو الانتقائية في عرض الوقائع، بل ادعاء البراءة من نتائجها. فالمتكلم لا يتقدم بوصفه خصماً معلناً، ولا شاهداً مسؤولاً، بل في صورة ناصحٍ مشفق أو ناقلٍ أمين، تاركاً للمتلقي أن يستنتج ما يشاء. وبذلك تصبح العبارة أداةً لتوزيع الشكوك أكثر من كونها وسيلةً لنقل الحقائق، ولإنتاج الانطباعات أكثر من إنتاج المعرفة.
وعند هذه النقطة يغدو السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً من السؤال الإداري: ما قيمة الإخبار إذا انفصل عن التثبت؟ وما معنى النصح إذا أصبح ستاراً للإساءة؟ وما جدوى الادعاء بأن المقصود هو الخير، إذا كانت الوسيلة تقوم على النيل من السمعة أو تشويه الصورة أو بث الريبة بين الناس؟
فليس كل ما يُقدَّم في هيئة نصيحة يكون نصيحة، كما أن حسن العبارة لا يكفي دليلاً على حسن المقصد.
– رابعاً: الأفق: نحو فهم السلطة من موقع الدلالة المؤجلة
إن ما تكشفه عبارة «لكل غاية مفيدة» لا يقتصر على آليات الخطاب الإداري، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة السلطة في المجتمعات البيروقراطية الحديثة. فإذا كانت السلطة لا تُمارَس بالأوامر الصريحة وحدها، بل أيضاً عبر التحكم في المعنى ومواعيد الكشف عنه وشروط تأويله، فإن ذلك يدفعنا إلى مساءلة الصورة التقليدية التي ترى في الخطاب الإداري مجرد أداة تنظيمية محايدة.
ذلك أن المعنى المؤجَّل؛ أي المعنى الذي لا يُفصَح عنه في لحظة الإصدار، بل يُحتفظ بحق تحديده لاحقاً؛ يمثّل شكلاً من أشكال السلطة الرمزية التي تحدث عنها بورديو: سلطة تعمل بصمت، لا تُعلن عن نفسها، بل تُفرض من خلال البنى المؤسسية التي تُنظّم أسلوب التواصل وتحدد من يملك حق التأويل النهائي. وفي هذا السياق، يغدو الغموض اللغوي ليس نقصاً في التواصل، بل مورداً من موارد السلطة تُوظِّفه المؤسسة لصون هيمنتها على تعريف الواقع — وتُوظِّفه الأفراد لصون هيمنتهم على تعريف الآخرين.
بيد أن هذه الخلاصة لا ينبغي أن تُؤخذ على إطلاقها؛ فثمة مستوى آخر من التعقيد جدير بالمساءلة: هل يمكن للغموض الإداري أن يؤدي في سياقات بعينها وظيفة إيجابية، تُتيح المرونة التكيفية في مواجهة الحالات التي لا يستوعبها النص القانوني الصريح؟ وإن كان ذلك ممكناً، فأين يقع الحد الفاصل بين الغموض الوظيفي المشروع، والغموض الاستراتيجي الذي يُكرّس اللامساءلة ويُتيح الإيذاء دون مساءلة؟
وأبعد من ذلك، يطرح هذا النوع من التحليل تساؤلاً أنثروبولوجياً أعمق: ألا تكشف اللغة الإدارية، في بنيتها وأنساقها وآليات إنتاجها، عن التصورات الضمنية التي تحملها مجتمعاتنا حول العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وبين المواطن والدولة، وبين من يُوشى به ومن يملك حق الإيذاء في رداء الفضيلة؟ وهل تستطيع مجتمعات تتطلع إلى حوكمة شفافة ومساءلة عادلة أن تستمر في توظيف خطاب إداري تتسع فيه الدلالة المؤجَّلة على حساب الوضوح الإجرائي؛ وتنزع منه القدرة على التمييز بين التبليغ والإيذاء، وبين الأمانة والوشاية؟
إن عبارة «لكل غاية مفيدة»، على اختزالها الظاهر، ليست مجرد صيغة إدارية متوارثة؛ إنها عَرَض من أعراض بنية أعمق في العلاقة بين اللغة والسلطة والمعنى؛ وبين الكلمة والنية والضحية. وفهمها على هذا النحو لا يعني الدعوة إلى استئصالها، بل يعني استحضارها موضوعاً للنقد المؤسسي والمساءلة الأخلاقية معاً، بوصفها مدخلاً لمساءلة طريقة إنتاج المعنى داخل المنظومات البيروقراطيّة من جهة، وطريقة توظيف اللغة سلاحاً اجتماعياً ناعماً في شبكات العلاقات الإنسانيّة من جهة أخرى.
*الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، اشتغل في أبحاثه على قضايا الإدارة العموميّة والتنمية والسياسات العامة، وله مؤلفات رصينة من أبرزها: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000)، الفاعلون المحليّون والسياسات العمومية المحلية (2015)، الفاعلون في السياسات العمومية الترابية (2020)، والصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي (2025).





