* الدُّكتُور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
إحدى المهارات القياديّة التي تتطلبها المرحلة السياسيّة الراهنة في المغرب؛ هي الإصغاء. فليس الإصغاء مجرد ترف أو سلوك اجتماعي، بقدر ما هو إستراتيجيّة سياسيّة تساهم في تخفيف حدة الصراعات وتوجيه الأزمات إلى حلول عمليّة.
هذا، وقد أشار (هنري كيسنجر)، الدبلوماسي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل للسلام، إلى أهمية حُسن الإصغاء في القيادة، قائلاً: “لقد كان (الشاه محمد رضا، وكان آخر شاه (ملك) يحكم إيران قبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979،) قائدًا يُحسنُ الإصغاء.”
هذه المقولة، التي قد تبدو غريبة في السياق العام السياسي الإيراني، تحمل في طياتها درسًا عميقًا حول دور الإصغاء في القيادة السياسيّة، حتى في الظروف المعقدة.
* فن الإصغاء في ظل الأزمات السياسية:
في المغرب، كما في العديد من الدول العربيّة، يعاني الفضاء السياسي والاجتماعيّ والثقافي، من تحديات كبيرة بسبب غياب الإصغاء الفعّال بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمثقفين. فغالبًا ما تتحول المعارك السياسيّة إلى صراعات حادة تفتقر إلى الحوار البناء، ويغيب فيها الاستماع إلى الآراء المتنوعة. نجد هذا جليًا في التفاوت الكبير بين الأحزاب السياسيّة والنقابات والهيئات في رؤاها حول النموذج التنموي أو الهوية الثقافيّة أو المواقف الاجتماعيّة.
إذا كانت السياسة المغربية اليوم تشهد حالة من الاستقطاب الحاد بين مختلف القوى السياسيّة، فذلك يعود إلى غياب ثقافة حُسْن الإصغاء بين الأطراف المختلفة، مما يؤدي إلى تعميق الهوة بين المعارضة و الأغلبية، ويزيد من حدة التوترات السياسيّة. وإذا ما أردنا تجاوز هذه التوترات، سيكون الإصغاء هو الأداة الفعالة التي تسمح بتفعيل الحلول التوافقيّة.
* حُسْنُ الإصغاء كمفتاح لحل الأزمات الكبرى:
عندما نعود إلى تجربة الشاه محمد رضا، على الرغم من كونها مثيرة للجدل، نجد أن قدرته على الاستماع كانت أحد الأسباب التي جعلت من إيران تحت حكمه الذي استمرّ أزيد من ثلاث عقود، (من سنة 1941 إلى سنة 1979.) واحدة من القوى الإقليميّة الكبيرة، رغم القمع السياسي والاضطهاد الذي مارسته السلطة ضد المعارضة. لكن الإصغاء لا يعني بالضرورة القبول بكل الأفكار المطروحة، بل هو أداة للتكيف و المناورة السياسيّة.
في المغرب، إذا استطاع القادة السياسيّون الاستماع إلى آراء جميع الأطراف السياسيّة والاجتماعيّة، وخاصة المعارضة، فإن ذلك سيؤدي إلى إصلاحات جذريّة حقيقيّة وتفعيل العدالة الاجتماعيّة. والإصغاء لا يتعلق فقط بالاستماع للنقد، بل أيضًا بفهم المواقف المتباينة والقدرة على اتخاذ قرارات إستراتيجيّة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الجميع.
* حُسْنُ الإصغاء والنموذج التنموي:
نستحضر مثلاً من خلال قراءة المقترحات السياسيّة حول النموذج التنموي في المغرب، نلاحظ التباين الكبير بين الأحزاب السياسيّة حول القيّم والحريات. فبينما تركز بعض الأطياف السياسيّة على الحريات الفرديّة والتحديث الاجتماعي، نجد آخرين متمسكين بالقيّم الدينيّة والاجتماعيّة التقليديّة. هذه الخلافات ليست مجرد صراع حول المناصب، بل هي صراع فكري حول رؤية المستقبل.
إن الإصغاء بين هذه الأطراف قد يكون السبيل الوحيد إلى حل الخلافات وتقديم تسويات حقيقيّة تقود إلى توازن سياسي يتجاوز الحساسيّات التاريخيّة والجغرافيّة.
إذا كانت السياسة المغربية تُعاني من الاستقطاب والتباعد الكبير بين الفرقاء، فإن الإصغاء المتبادل قد يعيد التوازن إلى النظام السياسي ويُسهم في استقرار المجتمع على المدى الطويل.
* الاستماع إلى نبض الشعب والتفاعل مع تطلعاته:
وفي سياق أعمق، علينا أن نتذكر أن الإصغاء لا يقتصر فقط على القوى السياسيّة، بل يشمل الاستماع إلى تطلعات الشعب، الذي يعاني من الأزمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة. ويتطلب الأمر قادة سياسيّين لديهم القدرة على الاستماع إلى معاناة الناس وفهم التحولات الاجتماعيّة التي تحدث في المجتمع. هذا الإصغاء الشعبي سيُمكن القادة من تصميم سياسات عامةً وعموميّة وقطاعيّة، أكثر توافقًا مع احتياجات ومتطلبات قضايا الشعب.
* الخلاصة:
إن الإصغاء في السياسة ليس مجرد أداة دبلوماسيّة أو سمة شخصيّة للقادة، بل هو ضرورة إستراتيجيّة لاحتواء الصراعات السياسيّة وتحقيق التسويات بين الأطراف المتباينة.
وإذا كانت المعارك السياسيّة في المغرب، كما في العديد من دول العالم، قد طال أمدها بسبب الاستقطاب والتجاهل المتبادل، فإن حُسْن الإصغاء قد يكون الحل الأمثل لتجاوز هذه التحديات وفتح آفاق جديدة للتفاهم والتعاون بين القوى المختلفة.





