الدكتور محمد عوام
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
بداية يمكن أن نتساءل هل الدول المتخلفة هي فعلا متخلفة وقدرها أن تظل كذلك أم أن أنظمتها السياسية تتاجر في التخلف، وتقتات منه، وتستمد منه المشروعية بتدويخ طبقة من الشعب وهي الأكثرية التي هي نفسها تستمرأ التخلف، ولا تريد أن تخلص نفسها منه؟
ثم ما علاقة التخلف بالاستبداد السياسي؟
هذا سؤال عريض أو أسئلة كبيرة تحتاج إلى علماء وخبراء في كافة التخصصات ليشخصوا ويحللوا بنية التخلف وعلاقته بالاستبداد السياسي، وبمستوى الوعي والثقافة والعلم المقاوم للتخلف. ولعلنا في حاجة إلى أمثال العلامة المناضل الشهيد عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله، ليشخصوا لنا التخلف وكيفية تدويره في الأنظمة المستبدة والفاسدة. ثم ما هي الحلول الناجعة للتخلص منه، وإلا سنردد ما ذكره الكواكبي عن الاستبداد، قد يعتبر ذلك صيحة في واد وغدا ستذهب بالأوتاد.
ومهما يكن فإنني في هذه الكلمات المتسمة بالاختزال دون التطوال، والاعتصار دون البسط والانتشار، سأبرز أهمها فيما يلي:
أولا: قلة الاهتمام بالعلم والمعرفة، وتهميش العلماء والمفكرين، وعدم الاكتراث بالنجباء من طلبة العلم وتشجيعهم، فتجد في مقابل ذلك اهتماما بالغا ومبالغا فيه بالتفاهة والتافهين، والسفلة والساقطين، وترى الإعلام الذي يحركه خيوطه الاستبداد يسارع في تلميع هؤلاء، وإبرازهم كقدوة للمجتمع، وما عداهم من أهل العلم لا وزن لهم، ولا يؤبه بهم. فهذه أخطر سمة، حيث تنشئ جيلا قد تربى على البلادة والسفالة، وقد غرز في كينونته ووجدانه التخلف، فينعكس ذلك على تفكيره وسلوكه.
ثانيا: انعدام التخطيط الفعال، والبرمجة المستقبلية، المبنية على المعطيات الواقعية واستشراف المستقبل، بتحليل الواقع. لأنه من عادة الاستبداد والتخلف أنه لا يركن إلى التخطيط، ولو ادعاه، ولا يحب البرمجة ولو تبناها، وإنما يستثر في المصطلحات الجوفاء الفارغة من كل مضمون، يحسبها المغفلون أنها على شيء، وما هي إلا كمن يصب الماء على الرمل، وكمن يتعب نفسه ليجني من الشوك العنب.
ومعنى هذا أن الدول المتخلفة لا تستند إلى معطيات، وتختار خبراء نزهاء ذوو غيرة وطنية أصيلة، تتوسم فيهم أن يعملوا من أجل وطنهم وأمتهم، فينهضوا ببلدهم، وإنما تختار من الضعاف والمتخلفين الذين يلبسون زي الخبراء والعالمين، فيخططون وفق إرادة الاستبداد مع تنميق الكلام واللعب على الألفاظ.
أما التخطيط الفعال والبرمجة العلمية للخروج من مأزق التخلف، فهذا بعيد المنال، ولا يرتضيه أصحاب القرار.
ثالثا: غياب فقه الأولويات والموازنات، وانعدام القصدية والجدية في الأفعال. ومعنى هذا أن الدولة المتخلفة المستبدة لا تمتح من فقه الأولويات والموازنات، فتقدم ما يستحق التقديم، وتؤخر ما ينبغي أو يجب تأخيره، وما هو معجل، وما هو مؤجل…فهذا لا يدخل في حسبانها، ولا تلقي له بالا، وإنما أولوياتها وفقهها أن تقدم التفاهة على الثقافة، والجهل على العلم، والانحطاط على الارتقاء، وهكذا، فميزان الدولة المتخلفة كالكوز مجخيا، قد يظهر في الظاهر أنه مستويا، ولكنه في حقيقة الأمر مقلوب، والسبب في ذلك انقلاب التصوران والموازين التي تنبني على العقيدة السليمة الصحيحة، ومتى كان الاستبداد والفساد يمتح من عقيدة سليمة اللهم إلا العقيدة الفرعونية التي مبدأها، “لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” هذا هو المنطق الفرعوني الذي يؤطر سلوك وبنية الدولة المتخلفة، ومن خلالها ترى بعين الريبة لكل دعوة إصلاحية، أو انتقاد جاد ولو صدر من مخلصين غيورين على دولتهم وأمتهم.
فنحن في حاجة إلى مقاومة علمية وفكرية لهذا النوع من “التفكير الفرعوني” إن صح أن نسميه تفكيرا. نقاوم ثقافة التخلف والتقهقر، ونقاوم منهج الاستبداد والفساد، فلا بد من ثقافة مقاومة، وعلم مقاوم، وفن مقاوم، وغناء مقاوم،…
لكن لا يمكن أن يحصل هذا من غير وجود طائفة من العلماء والمفكرين مقاومين ومناضلين، وهم الذين سماهم الله تعالى في كتابه المجيد بالربانيين. (لو لا ينهاهم الربانيون) (كونوا ربانيين)، والرباني من رب يرب، أعني يقود، مثل ربان السفينة، فهو يقوده في الأمواج العاتية بالحكمة والرشد والتدافع حتى يسلك بها سبيل النجاة.
وهذه الطائفة الربانية -مع الأسف- هم القلة، لأن كثيرا ممن يحسبون على العلماء والمفكرين أصبحوا عبيدا للاستبداد، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وأن يكونوا في خدمة الأسياد المستبدين والفاسدين، فأي علم عند هؤلاء، وأي فكر لهم، فالعلم الحقيقي نور من الله، ومن وظفه لخدمة أولئك، فقد خرج به من النور إلى الظلام، فأصبح بذلك من خدام الشياطين (يخرجونهم من النور إلى الظلمات)
هذه أكبر سمات الدولة المتخلفة المستبدة، فهل من وعي للإصلاح؟ وهل من طبقة علمائية توقظ الهمم وتعلوا بشأن الأمة وترفع من قدرها، فتخرجها من نظام التفاهة والتخلف إلى نور الوحي الذي به ترتقي؟





