إدريس عدار
لم تكشف هيئة تحرير الشام (فرع تنظيم القاعدة)، منذ تمكينها من السلطة في دمشق، عن وجهها بقوة مثلما فعلت اليوم. التبس كثيرون في توجهاتها وعوّل آخرون على تحولها. بعد ردها على الشروط الأمريكية أصبحت تتعامل بالواضح.
وأشير هنا إلى التعاقد الذي كان بين أنصار “محور المقاومة” وسوريا الأسد هو أنها كانت قطب رحى القوى المواجهة للكيان المؤقت، وأي نقاش حول توجهاتها الاجتماعية والسياسية كان من باب إقامة الحجة على من زعم أن نظام الجولاني هو “ثورة” من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
بعد مرور الوقت الكافي للحكم على النظام الجديد تبين أنه لم يحافظ على قواعد الاشتباك مع الكيان المؤقت، والتي رغم عدم وصولها إلى المواجهة كانت تفرض عليه عدم خرق الأجواء السورية، وكل هجماته تتم عبر الأجواء اللبنانية والبحر مع عدم القدرة على الدخول شبرا واحدا عبر البر، واليوم احتل الكيان المؤقت مساحة تفوق مساحة لبنان، ولا هو أقر الحريات والديمقراطية.
لقد ظهر أن نظام الجولاني مبني على اللون الواحد، أي حكومة “إدلب” هي نفسها حكومة دمشق. أما الحريات فأصبحت في خبر كان وما جرى على العلويين خير دليل على ذلك.
أنصار الجولاني كانوا يطلبون الانتظار حتى يهيئ “صلاح الدين الجديد” جيش القدس ليفتحها من جديد.
مغالطة في التاريخ والواقع.
قراءة الرد يوحي بأنه سيوزع سوريا إلى إمارات تحت عنوان “سوريا الموحدة”، مثلما وزع صلاح الدين خلافته على أبنائه وإخوته.
وقبل الحديث عن الرد يجذر التذكير بأن وزير دفاع “الكيان المؤقت” قال بأنه تم الاتفاق مع تركيا على المنطقة الأمنية العازلة. في غياب رد التركي والجولاني يظهر أن “التوزيع” تم في أذربيجيان.
بمعنى تم توزيع سوريا، الجنوب للكيان المؤقت يمكن له أن يتدخل متى يشاء، والشرق لتركيا وبينهما منطقة موزعة على إمارات خفية تجمعها سلطة الجولاني الشكلية في دمشق، بينما يتم تسمية هذه الإمارات ولايات أو محافظات، مع إصرار الأكراد على دولة لا مركزية.
ووفق ما أوردت وكالة رويترز للأنباء، فإن سوريا ردت كتابيا على قائمة شروط أمريكية لرفع جزئي محتمل للعقوبات، قائلة إنها طبقت معظمها لكن البعض الآخر يتطلب “تفاهمات متبادلة” مع واشنطن، وقالت الوكالة إنها اطلعت على الرسالة.
وكانت واشنطن سلمت دمشق الشهر الماضي قائمة بثمانية شروط تريد من دمشق الوفاء بها، منها تدمير أي مخزونات متبقية من الأسلحة الكيميائية وضمان عدم منح أجانب مناصب قيادية في الحكم، ناهيك عن منع عودة إيران وحلفائها إلى سوريا، ومراقبة عمل الفصائل الفلسطينية ومنعها من أي نشاط فوق الأراضي السورية.
وكانت المسؤولة الأمريكية ناتاشا فرانشيسكي سلمت قائمة الشروط لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في لقاء جمعهما على هامش مؤتمر المانحين لسوريا في بروكسل في 18 مارس.
وتضمن الرد أجوبة على أسئلة واشنطن، وذكر أن المسؤولين السوريين ناقشوا مسألة المقاتلين الأجانب مع المبعوث الأمريكي السابق دانيال روبنستاين لكن المسألة “تتطلب جلسة مشاورات أوسع”. مؤكدا أن إصدار الرتب العسكرية للمقاتلين الأجانب تم تعليقه بعد الإعلان في وقت سابق عن ترقية ستة أفراد، في إشارة واضحة إلى تعيين مقاتلين أجانب في دجنبر من بينهم مقاتلون من الإيغور وأردني وتركي في مناصب بالقوات المسلحة السورية، ولم يفصح الرد ما إذا كان قد تم تجريد هؤلاء المقاتلين الأجانب من الرتب التي حصلوا عليها، ولم تشر أيضا إلى الخطوات التي سيتم اتخاذها في المستقبل.
المعضلة التي قد تفجر الوضع هي طلب أمريكا حرية قنص المقاتلين، الذين ترى أنهم يشكلون خطرا عليها، وهذا الأمر قد يفجر الوضع لأن المقاتلين في حماية الجولاني، وإذا لم يوفر لهم هذه الحماية قد ينقلبون عليه.
أما ثاني قضية تناولتها الرسالة/الرد فهي قضية الفصائل الفلسطينية.
التزم الجولاني بألا تكون سوريا منطلقا للاعتداء على أي بلد بما في ذلك “إسرائيل”، وهذا ما أكده وزير خارجيته في اجتماع للأمم المتحدة قبل أيام. والالتزام هنا كان عمليا، حيث تم توقيف قياديين من حركة الجهاد الإسلامي. والتهمة غريبة: التخابر مع إيران. وكانت الإدارة العامة التابعة للجولاني أمرت منذ البداية بإغلاق مكاتب حركات المقاومة ومصادرة معسكراتها.
بالواضح والمكشوف ليس في أجندة الجولاني، لا اليوم ولا غدا، شيئا اسمه فلسطين. ولكن ما زال الجولانيون يطلقون عليه “صلاح الدين الجديد”، وما زالوا ينتظرون منه تأسيس “جيش القدس” وهو ممنوع باتفاق تركي “إسرائيلي” من تكوين جيش أصلا.
قد يقبل السوريون منع حركات المقاومة من أي نشاط فوق أرضهم، بحكم الضريبة التي دفعوها تاريخيا، لكن لن يقبلوا التوافقات التي يمكن أن يعقدها الجولاني على حساب أرضهم، وهو ما يمكن أن يفجر الوضع بشكل أكبر من خطر تفجيره من قبل التنظيمات الإرهابية.
كنا نساند “سوريا الأسد” لأنها مع المقاومة، فعلى أي أساس تساندون الجولاني؟





