دلالات عودة صاحب العصا إلى قيادة المصباح

 

 

 

توفيق بوعشرين

 

 

بحوالي 70%، فاز قبل لحظات عبد الإله بنكيران بولاية رابعة على رأس حزب العدالة والتنمية المحافظ.
ماذا يعني هذا الفوز؟
1/ أولًا، يعني أن الديمقراطية الداخلية داخل الحزب المحافظ ما تزال تشتغل بطريقة مقبولة:
لم نرَ كراسي تتطاير في القاعة، ولم نسمع سبابًا أو شتائم أو انشقاقات أو حروبًا أهلية بين الإخوان حضر من حضر غاب من غاب تكلم الجميع أكلوا وشربوا وغنوا وهتفوا بالشعارات ثم صوتوا ورجع كل مؤتمر إلى بيته.
مرت الأجواء بسلام في حزب فقير ماديًا لكنه غني بتراث انتخابي داخلي تعددي، مفتوح وشفاف.
حتى أن الانتخابات التمهيدية وسط المجلس الوطني لم تمنح بنكيران سوى ثلاثة أصوات إضافية عن منافسه إدريس الأزمي.
بمعنى آخر، الأمور لم تكن محسومة سلفًا لا لبنكيران ولا لغيره، وهذا جوهر سلامة الاقتراع في كل ديمقراطية حقيقية.
2/ ثانيًا، تعني أن شعبية بنكيران لا تزال بخير وسط قواعد حزبه، وأن التعبئة غير المباشرة التي بدأها منذ أشهر قبل المؤتمر قد أثمرت.
القواعد ما زالت تعوّل عليه كمنقذٍ للحزب من نكبته، والمناضلون، أو من تبقّى منهم، ما زالوا يعيشون في عباءة الزعيم، ولا ضير في ذلك، فهو حقهم، وحقنا أن نحلل هذا السلوك ونعلّق عليه .
يقول المفكر الإيطالي اليساري أنطونيو غرامشي:
(الأزمات تولد حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد… وحينها تملأ النزعات الإصلاحية والمحافظة الفراغ، فتمنع الموت وتمنع الولادة معًا..)
3/ ثالثًا، انتخابات الأمين العام كانت تدور حول الأشخاص، لا حول الأطروحات أو البرامج او رؤى للمستقبل.
لم نسمع عن نقاش جدي لبرامج أو رؤى أو مقاربات بديلة بين المرشحين.
إنها انتخابات وجوه لا أفكار، ومشكلة تتجاوز حزب العدالة والتنمية إلى كل الأحزاب المغربية والمناخ السياسي العام.
لا أحد يعرف فعليًا ما هو “برنامج” بنكيران للأربع سنوات المقبلة، خارج وثائق رسمية لا يبدو أنه قرأها، وإن قرأها لا يدقق فيها، وإن دقق لا يعيرها اهتمامًا.
بنكيران يعتمد على حدسه السياسي، وعلى الخطب المزاجية والشعارات الفضفاضة، المليئة بالتناقضات التي يبتلعها أنصاره بجملة واحدة: “هداك هو بنكيران.”ينجح احيانا ويفشل اخرى ..
4/ رابعًا، إعادة انتخاب بنكيران رغم تجاوزه العقد السابع، ورغم وجود قيادات شابة أو كهلة، معناه أن 70% من قواعد الحزب الشابة صوتت بقلبها لا بعقلها.
صوتت خوفًا على الحزب ومستقبله أكثر مما صوتت بحثًا عن إدارة جديدة أو أفق مغاير للحزب الإسلامي المعطوب لظروف ربعها ذاتها وثلاثة أرباعها موضوعي .
اختارت القواعد الاستمرارية بدل المغامرة، وتجريب المجرب بدل المجازفة بوجه جديد.
وهذا واحد من عيوب الطابع المحافظ للحزب الإسلامي، حيث الغلبة للعاطفة لا للعقل.
هذا التصويت العاطفي لصالح بنكيران مفهومٌ ضمن مناخ الجزر السياسي العام الذي يشعر به غالبية المغاربة.
وتكفي الإشارة إلى هذا الجفاف السياسي، حين امتنعت وزارة الداخلية، التي تصرف بلا حساب على المهم والتافه، عن تحويل 1,3مليون درهم إلى حزب كان الأول في البرلمان لعشر سنوات، وقاد حكومتين متتاليتين، وساهم في تأطير جزء مهم من الشعب وتنشيط الحياة السياسية المكتئبة.
اضطر بنكيران إلى جمع التبرعات عبر نداء فيسبوكي للمحسنين، تمامًا كما يفعل مشجعو الفرق الرياضية الذين يجوبون الشوارع حاملين الصينية تحت شعار: “عاونوا الفريق!”
وهذا أمر مؤسف ومؤلم لبلاد عرفت ميلاد الأحزاب قبل ميلاد الاستقلال هذا الأمر يكشف حجم احترام وتقدير الدولة للأحزاب السياسية والتعددية، رغم أن الديمقراطية – كما يُعرّفها الكثيرون – هي في جوهرها “دولة الأحزاب”.
5/ خامسًا، إعادة انتخاب بنكيران على رأس المصباح تعني استمرار نفس النهج في التعامل مع السلطة:
توافقٌ أحيانًا، وانحناءٌ للعاصفة أحيانًا أخرى، غضبٌ عند الضرورة، تبريرٌ عند الحاجة، وخطابٌ حادٌ بديلٌ عن مواقف سياسية واضحة.
مع إبقاء خطوط الاتصال مع السلطة مفتوحة دائمًا، وإن أُغلقت، غضب الزعيم وأخرج مدفعيته، لكن دون أن يتخلى عن العهد والولاء إلى ان تعود المياه إلى مجاريها المعتادة .
إنها فوضى خلاقة تُسعف بنكيران، الذي بات اليوم يحمل عصا له فيها مآرب شتى، للتكيف مع تعقيدات النظام السياسي وصعوبة الحركة داخله.
ولهذا لا يؤمن “زوج نبيلة” بما قاله نيلسون مانديلا:من ان:
(التغيير لا يأتي عبر التسويات المريحة، بل عبر مواجهة الخوف وصناعة المستقبل بشجاعة) بنكيران عنده نهج آخر يعتمد على براغماتية مفرطة النزعة المصلحية لعبور الصحراء، تحت شعار الفنانة الشعبية الكبيرة الحاجة الحمداوية التي كانت تردد إلى آخر العمر :
“إذا خيابت دابا، تزيان غدا.”

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...