صاروخ شيعي شيوعي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم: عزيز لعويسي

 

 

البرلمان تحول إلى ما يشبه “صندوق العجب”، لازال في كل جلسة، يتحفنا بعجائبه وغرائبه، حتى وهو يعيش آخر أنفاسه، خرجت منه التماسيح والعفاريت والكلاب والبغال والحمير والذئاب والقردة، وغيرها من حيوانات عالم كليلة ودمنة، وولدت من داخل قبته، مفردات وضيعة، أثارت زوبعة من الجدل واللغط، من قبيل “المداويخ” و”الديبخشي”، آخرها “الشيعة” و”الشيوعيون”، الذين خرجوا قبل أيـام، من رحم جلسة برلمانية، طبعها التلاسن والقصف الظاهر والباطن بين رئيس الجلسة ونواب عن فريق البيجيدي؛

الصاروخ أرض جو الذي وجهه رئيس الجلسة نحو  الفريق البيجيدي، أثار حالة من الجدل داخل القبة البرلمانية وخارجها، تباينت معها الرؤى والمواقف، بين من جنح نحو سفينة الرئيس، بمبرر أنه وضع بيضة البيجيدي في الطاس، وأسقط القناع عن عشيرة الكوفيين وما يحملونه من توجهات، معاكسة لمصالح الدولة وتوجهاتها الاستراتيجية، ومن رأى في ذلك انزلاقا غير مسؤول، من رئيس يفترض أن يحتكم لفضيلة الحياد والتحفظ، بعيدا عن النعرات الحزبية والمصالح السياسوية الضيقة، وبمعزل عن أي سلوك اندفاعي أو تهجمي، من شأنه المساس بصورة المؤسسة ومصداقيتها؛

الصاروخ الشيعي الشيوعي، ومهما حاولنا مقاربة سياقاته وأسباب نزوله، على بعد أشهر قليلة من النزال الانتخابي، فهو يعكس وجه مؤسسة برلمانية لم يعد بيتها يسر الناظرين والعابرين، كما يعكس ما وصل إليه الخطاب السياسي البرلماني، من مظاهر الضعف والتدهور والانحطاط، ما أفقد القبة البرلمانية ما يفترض أن تكون عليه، من وقار وهيبة ومصداقية والتزام واحترام، وبين هذا وذاك، هو علامة دالة، على مشهد سياسي حربائي، بات يصعب التمييز فيه بين “اليساري” و”اليميني”، وبين “الإسلامي” و”الشيوعي”، وبين الوطني الذي ينتصر لقضايا الوطن ويحترم الثوابت الجامعة للأمة، ومن يتقاسم معنا تراب وهواء الوطن، ومشاعره مع من هم يتخندقون في جبهة خصوم وأعداء الوطن؛

حالة الجدل التي أثارها النائب البرلماني الاشتراكي، هي امتداد لصراع مجتمعي صامت، تتقاطع فيه المرجعيات الوطنية والقومية والدينية والإيديولوجية، أحدث حالة مأسوف عليها من التصدع داخل المجتمع المغربي، الذي انقسم إلى “كوفيين” و”وطنيين” و”عياشة” و”مطبعين” و”صهيونيين” و”متأيرنين” و”إخونجيين” و”شيعيين” و”شيوعيين” وغير ذلك من التوصيفات المشحونة بالعداء والحقد  والإقصاء والتطرف والكراهية، وفي هذا الإطار، لايمكن إلا أن ندق ناقوس الخطر لما بات يهدد “تامغرابيت” من ممارسات وضيعة، مهددة لوحدة الأمة المغربية وثوابتها الجامعة؛

مغرب اليوم الذي لم يعد كمغرب الأمس، لم يعد يتحمل أو يستحمل من حول قضية إنسانية بحجم فلسطين، إلى قضية ابتزاز ومساومة ومصالح سياسوية ضيقة، وملفا للإساءة لمؤسسات الدولة وضرب مصالحها الحيوية واختياراتها الاستراتيجية، من يحمل مواقف حربائية غير واضحة، بشأن الدولة وثوابت الأمة الجامعة، من يأكل الغلة ويسب الملة، من يعيش بين ظهرانينا، ويعلن الولاء الظاهر والباطن لمن هم أعداء وخصوم للوطن، من يسعى بمشاعر حاقدة ويائسة، لإثارة الفوضى والاضطراب والمساس العمدي باللحمة الوطنية، وكل من يعيث في البلاد عبثا وفسادا وتفاهة وجشعا وطمعا واحتكارا؛

واجباتنا ومسؤولياتنا الوطنية، تقتضي الوفاء والإخلاص للوطن، واحترام الثوابت الجامعة للأمة، ووضع المصلحة المغربية فوق كل اعتبار، وعدم التردد لنصرة الوطن، لما يكون في حاجة إلى الدعم والنصرة والصمود، كما تقتضي الإسهام الفردي والجماعي في خدمة الصالح العام بتضحية ووفاء ونزاهة واستقامة ونكـــران ذات، ودعم ما يقوده عاهل البلاد من مشاريع تنموية رائدة، ومن توجهات استراتيجية داعمة لإشعاع الوطن وخادمة لمصالحه وقضاياه، في سياقات جيوسياسية إقليمية ودولية، موسومة بالتوتر والقلق والصراع والعنف واللايقين؛

وفي المجمل، ومهما قيل أو يمكن أن يقال، فنحن مغاربة تجري في عروقنا دماء تامغرابيت، في بلد يتوطن في أقصى نقطة من العالم العربي، ولسنا فلسطينيين ولا إيرانيين ولا شيعة ولا كوفيين ولا إسرائيليين …، والمغربي الحقيقي، هو من ينصر الوطن أولا، بحب وتفان، ويسهم في خدمته وبنائه وإشعاعه، هو من يحمل الوطن في قلبه وفؤاده ووجدانه في الحركات والسكنات، وليس من يسعى إلى تمزيق اللحمة وخراب الوطن، تحت يافطة نضالات مراهقة، لا تدرك السياقات الإقليمية والدولية، ولا تقدر  درجة الإساءة للمصالح الوطنية… على أمل أن يكون هذا المغرب العزيز، تلك الأم التي تحتضننا جميعا رغم الخطايا والزلات، وذاك البيت المشترك، الذي يجمعنا  ويتقبلنا بكل اختلافاتنا وتناقضاتنا …

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...