عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بايطاليا
في لحظة دقيقة من التحولات الإقليمية والدولية، اختار النظام الجزائري فتح جبهة توتر جديدة، هذه المرة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، دون مبرر سياسي واضح أو دبلوماسي مقبول. فبدلاً من أن تكون هذه المرحلة مناسبة لبناء التفاهمات الإقليمية ومأسسة الشراكات الاستراتيجية، تنزلق الجزائر إلى خطاب عدائي لا يُفهَم إلا من خلال عدسة التأزم الداخلي ومحاولات صرف الأنظار عن الأزمات البنيوية التي تعرفها البلاد.
الهجوم الإعلامي الذي شنته مؤسسات جزائرية رسمية ضد دولة الإمارات، بعبارات أقل ما يقال عنها إنها متشنجة وخارج السياق، يطرح أسئلة عميقة عن منطق إدارة العلاقات الخارجية لدى النظام الجزائري، الذي يبدو أنه بات يعتمد على “تصنيع الأعداء” كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية المتآكلة، وتعبئة الداخل ضد خطر خارجي مفتعل.
فالسبب المعلن للهجوم – تصريح أكاديمي لا يحمل طابعًا رسميًا – لا يرقى إلى مستوى الأزمة الدبلوماسية، ولا يبرر إطلاق حملة إعلامية تهدد بانزلاقات لا تخدم لا مصالح الشعب الجزائري ولا استقرار المنطقة. بل هو مجرد ذريعة لتمرير رسائل داخلية موجهة لشعب أنهكته طوابير المعيشة وضبابية الأفق السياسي.
في المقابل، تمثل الإمارات العربية المتحدة اليوم نموذجاً لدولة استطاعت أن توازن بين طموحها التنموي ودورها الإقليمي والدولي، عبر دبلوماسية ذكية ومبادرات إنسانية واقتصادية تتجاوز منطق المحاور والتجاذبات الأيديولوجية. وهي شريك رئيسي في ملفات استراتيجية مثل أمن الطاقة، والاستثمار التكنولوجي، والحوار بين الثقافات، وقد بات لها حضور فاعل ومقدّر في مناطق تمتد من الشرق الأوسط إلى إفريقيا وأوروبا وآسيا.
ومن المؤكد أن دولة الإمارات العربية المتحدة لن تقبل بالمسّ بسمعتها أو الإساءة إلى مكانتها التي بناها قادتها وشعبها عبر سنوات من العمل والمصداقية الدولية. وإذا كانت تتسامى اليوم عن الرد المباشر على الحملات العدائية، فإن ذلك لا يعني غياب القدرة على الرد، بل يعكس سياسة دولة تضع الحكمة فوق الانفعال، والتوازن فوق التوتر، دون أن تتخلى عن حقها المشروع في الدفاع عن صورتها ومصالحها متى استدعى الأمر ذلك.
إن استعداء دولة بهذا الحجم والتأثير، لا يمكن اعتباره إلا خطأ استراتيجيًا فادحًا من طرف النظام الجزائري، يفاقم من عزلته الإقليمية التي طالت الجوار المغاربي والساحل الإفريقي، كما اتسعت نحو أوروبا، لا سيما في ملفات الشراكة الاقتصادية والهجرة والطاقة. بل إن السياسات العدائية الحالية تهدد ما تبقى من فرص إحياء الاتحاد المغاربي، في وقت تحتاج فيه الشعوب المغاربية إلى مزيد من التكامل والتعاون لمواجهة التحديات المشتركة.
إن المنطقة العربية والمغاربية لا تحتمل مزيدًا من الشروخ المجانية. والتاريخ يعلمنا أن من يستثمر في الخصومات بدل الشراكات، يخسر الفرص وينهك الشعوب. والمطلوب اليوم ليس خلق أعداء وهميين، بل الانخراط في منطق العقلانية السياسية والتعاون من أجل المستقبل.





