درس بليغ (مجرد وجهة نظر)

 

 

 

 

د.الحبيب ناصري

 

 

حينما يصل الحقد، لدرجة تجعلك تستغرب، وممن؟ من الذين(دون تعميم طبعا) كنا نعتقد أننا نمتطي، صحبتهم،نفس السفينة، ولدينا نفس الروابط، والتحديات، والهموم، والأفراح، والأحزان.. فهنا علينا فعلا التفكير في كيفية إعادة النظر في العديد من العلاقات والأولويات..
ما وقع قد يقع مرة أخرى.. بل وقد يقع في العديد من الدول التي لا زال العديد من شبابها يعتقد أن الهجرة هي الحل .. وأن أرض الغرب هي جنة الأحلام..ما وقع درس بليغ، فعلا، خصوصا في زمن لا زلنا لم نتمكن، فيه، من إصلاح جذري وحقيقي في العديد من المجالات، وفي مقدمتها الفعل التربوي والتعليمي والبحثي العلمي والتكويني(رهان الاولويات).
عديدة هي الدروس التي من الممكن استخلاصها من هذه المحطة. مدينتا سبتة ومليلية، والعديد من الجزر، أراضي مغربية لا زالت تحت الاحتلال الاسباني، ليس فقط بموجب القانون الدولي، بل وبموجب التاريخ، والجغرافيا، والثقافة، والأدب، ودليل الوثائق، والمخطوطات..، طبعا العديد من الأخطاء ارتكبت في الماضي والحاضر.. لكن ذاكرة الحق تبقى حية، مهما تعنت الكبير المحتل.
عديدة هي الحقائق التي تم الكشف عنها خلال هذا الحدث الذي وقع. الكل اليوم أصبح يعرف أن هذا الغرب، هو في حقيقة الأمر ، غربان. غرب عقلاني وحقوقي وإنساني، وهو، على الرغم من قلته، دوما مع الحقائق التاريخية. هذا ما لاحظناه، اليوم، حيث ارتفعت العديد من الأصوات الغربية، المطالبة بإرجاع المدينتين وبقية الجزر المحتلة للمغرب، باعتباره صاحب الحق، وفي المقابل، هناك غرب لازال يحمل في عقله، نظرة دونية تحقيرية للبلدان المستعمرة سابقا، وهو غرب كبر عليه ان يرى بعض البلدان التي كانت في الأمس غير قادرة على النهوض، هي اليوم، تحاول النهوض، وتبحث عن سبل التقدم. عمل/حق من حقوق كل هذا العالم الذي نعيش فيه.
استغربت لبعض أشقائنا ، كيف هم اليوم “يتلذذون” ما وقع فيه بعض شبابنا المغربي.. بل ويرقصون في داخلهم فرحين بما وقع!. ومقابل هذا نرى بعض الأصوات الغربية الإعلامية، تنطق بلفظة الاحتلال للمدينتين.. في حين بعض إعلامنا العربي يكتب في أسفل شاشته، “سبتة المدينة الإسبانية”. طبعا التاريخ والجغرافيا والثقافة فوق كل من يحاول أن يرمي حجرة في طريقك لكي يسقطك.. لأنه ساقط أصلا.. ويحب أن يبقى الكل في نفس الحفرة.. خصوصا من صرف ماله من أجل أن يبقى الكل في نفس هاته الحفرة.
لا زلنا، وبصريح العبارة، غير قادرين على أن نعرف بحقيقة قضايانا الوطنية الجوهرية.. لأسباب عديدة، منها إعلامنا المغربي الذي لازال العديد منه يتصارع داخليا، ولا يسارع من أجل الدفاع عن حقيقة وطنه(لا أعمم طبعا). بعض الدكاكين السياسوية ألفت الريع.. بطونها انتفخت من شدة الجلوس على نفس الكرسي.. ولعل الموت وحده القادر على إزالتها.. وهو ما فوت علينا فعلا مشاهدة وجوه جديدة (تمثلنا في البرلمان والجماعات) مكونة وتتكلم العديد من اللغات.. وبالتالي نضمن أصواتا حقيقية تمثلنا في كل المؤسسات التمثيلية، عوض وجوه نبت “الخز” في كراسيها من شدة الجلوس فوقها ولعشرات السنين..(يؤرخ بها في تاريخ البرلمان والجماعات).وجوه غير متمكنة من قراءة ما كتب لها..هنا نستحضر العديد من الرموز السياسية الوطنية الشامخة التي قاومت المحتل، ودافعت عن الوطن، ولم تغتن من هذا الفعل النبيل الخالد!.
لازلنا غير قادرين على خلق جاذبية تعليمية حقيقية داخل مدرستنا العمومية المغربية.. بل هناك من يفرح كلما تعثر إصلاحها.. لماذا ؟.. لا أستطيع تقديم جواب واحد.. وهنا أترك لكم تقديم العديد من الأجوبة.. دون نسيان أن هناك من يتمنى “فشل” مدرستنا العمومية .. لتنتفخ “شكارته”بل لينهض في الصباح، ويجد الناس مصطفين أمام مؤسسته الخاصة .. باحثين عن قبول أبنائهم فيها(لسنا ضد قطاع خاص تنموي وعقلاني ويعرف حدود الربح والتضامن الخ).
عديدة هي العبر الممكن استخلاصها مما حدث في سبتة المغربية المحتلة. ولعل الدرس الكبير الذي ربحناه محدد في ضرورة الاعتماد على النفس.. وضرورة تغيير العديد من العقليات، بل وخلخلة الكثير من العلاقات التي كنا نظن أنها راسخة مع الغير.. بينما هي حمالة حقد دفين.. ويبقى ربح رهان إصلاح جذري لتعليمنا، الباب الأول الذي وجب دقه.. وربما فيه العديد من الأجوبة التي ننتظرها حاليًا ومستقبلا..
لست رجل سياسة، ولا اقتصاد.. مجرد مواطن، تتبعت وشاهدت العديد مما وقع.. ولم يسبق لي أن تحملت مسؤولية إدارة مؤسسة عمومية ولا خاصة. كنت وسأبقى دوما مواطنا محبا للثقافة .. ومؤمنا بدورها في تغيير العقليات..فهل استوعبنا الدرس مما وقع؟. هل استوعبنا كيف وجب دعم قطاع الثقافة وإصلاح جذري حقيقي للتعليم وما يرتبط به، لاسيما ومن وظائفه : التربية على القيم (والمواطنة ضمنها)؟

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...