“صفقة القرن”… عندما تصبح الكرامة العربية سلعة!

 

 

 

دة. نعيمة بويغرومني

 

 

منذ أن أعلن دونالد ترامب عن ما سماه “صفقة القرن”، والعالم العربي يعيش حالة من الخنوع المذهل، وكأننا أمام مقاولة ضخمة تُوزّع فيها الأرباح، لا أمام مأساة سياسية وأخلاقية تمزق وجدان أمة، وتهدم ما تبقى من رمزية قضية كانت، ولا تزال، عنوان الشرف العربي.

كاسب / كاسب؟ لكن من الخاسر؟

صاغ ترامب “الصفقة” بلغة الربح والخسارة، لا بلغة التاريخ والحق. وحبرها بلغة التسليم لا التفاهم، التطبيع لا التحرير، وكأن فلسطين أصل تجاري يُباع ويُشترى، لا وطنًا سُرق، وشعبًا شُرّد، ودماءً سالت على مدى سبعين عامًا.

أما الأنظمة العربية، أو من يُفترض أنهم قادة، فقد باركوا الصفقة بصمتهم أولاً، ثم بشروا بها تحت ذرائع براجماتية:
“نحمي مصالحنا”،
“نواكب التغيرات”،
“نفتح الأبواب على المستقبل”.

وها هي النتائج أمامنا:

إسرائيل: ضمنت شرعنة ما كان يُعتبر غير شرعي… القدس عاصمة، الجولان تحت السيادة، والاستيطان بلا مساءلة.

الولايات المتحدة: كرّست دورها كراعية للاحتلال، لا كوسيط سلام.

الأنظمة العربية: كسبت رضى البيت الأبيض وصفقات اقتصادية وهمية، ودفعت ثمنها تبعيةً وإهانةً…ويا ليتها قايضت من أجل حقن الدم الفلسطيني!

لكن من الخاسر؟

الخاسر هو الشعب الفلسطيني،
الخاسر هي الكرامة العربية،
الخاسر هو ضمير الأمة وعدالتها.

وهنا، لا يسعني وغصة في حلقي إلا أن أستحضر كلمات التاريخ التي ما زالت تقاوم النسيان:

> ياسر عرفات (1974):
“أتيتكم بغصن الزيتون في يد، وببندقية في اليد الأخرى. فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.”
واليوم، سقط الغصن وسُحقت البندقية… وساد الصمت.

> جمال عبد الناصر:
“ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة.”
فأين نحن من هذا المبدأ؟ وكيف نرضى بما يُسمى “سلامًا اقتصاديًا” ونحن نكافئ المحتل بتحالفات مذلة؟!

> نيلسون مانديلا:
“أن تُفوّت فرصة السلام من أجل مكاسب آنية هو هزيمة للحرية ذاتها.”

لا تعليق، فلا مكاسب ولا سلام ولا حرية حقيقية..

> مارتن لوثر كينغ:
“الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان..

وها نحن، نمارس التجاهل، وكأن القضية لا تخصنا، وكأن النار لا تحرقنا جميعًا.
وحتى لا ننسى ،،،،،

نحن لا نعيش نهاية مرحلة، بل امتحانًا وجوديًا:
هل نُطبع قبل أن نتحرر؟
هل نساوم قبل أن نقاوم؟
هل نرضى بالهوان لأنه مريح، ونخشى الصدع لأنه مكلف؟

ففلسطين لم تكن يومًا مجرد أرض، بل نبضٌ في صدر كل حر، واختبار دائم لضمير الأمة.

و”صفقة القرن” ليست إلا مرآةً عاكسة لزيف السياسة وزيف العدالة في عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة والمصالح.

فالسؤال اليوم، وهو لك أيها القارئ، ولكل من لا يزال يحمل ذرة من كرامة:

> هل ما زال فينا من يؤمن أن الكرامة لا تُشترى؟ وأن القدس لا تُعرض في المزاد؟
هل ما زال فينا من يقف ليقول: لا… ولو وحده؟

هذا هو السؤال… لنا جميعا…
ولنا جميعا فرصة تحرير جوابه… فهل سنجيب أم نترك الورقة فارغة؟!


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...