سوريا ما بعد الأسد: تعددية الحكم وتفتت السيادة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

خليل البطران

 

 

مقدمة:

منذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011، كانت الرسالة واضحة: الشعب السوري يسعى لتحرير بلاده من حكم الأسد المستبد. ومع مرور السنوات، تحوّل الصراع إلى معركة جيوسياسية شاملة دخلت فيها قوى دولية وإقليمية، وكان للأسد وحلفائه من روسيا وإيران دور كبير في تعميق الأزمة. اليوم، ومع سقوط نظام الأسد، تظهر ملامح مرحلة جديدة في سوريا، بقيادة الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، التي تسعى لتحقيق الاستقرار والبناء السياسي والاقتصادي. لكن هذا التحول ليس مجرد تغيير في الحكم، بل هو بداية لمرحلة جديدة تضع العديد من القوى الإقليمية والدولية على المحك.

التحولات الإقليمية والدولية:

الوجود الأمريكي في سوريا كان دائمًا مصدر جدل. على الرغم من تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سنوات ماضية حول عدم رغبة بلاده في الانخراط طويلاً في الصراع السوري، إلا أن الواقع في السنوات الأخيرة أظهر أن الوجود الأمريكي أصبح مرتبطًا مباشرة بمسألة “إبقاء التوازن الإقليمي”، خاصة مع تزايد النفوذ الروسي والإيراني. لكن مع الصراع الأوكراني وأولويات الولايات المتحدة المتغيرة، بدأ الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في المستقبل القريب، مما يعيد التوازن الاستراتيجي في المنطقة. هذا الانسحاب المتوقع يفتح الباب أمام الدور التركي، الذي سيتحمل عبء تأمين الحدود وتحقيق التوازن بين الأطراف المتنافسة في سوريا.

إيران، التي دعمت الأسد طوال سنوات الحرب، تبدو اليوم في موقف ضعيف بعد تدهور وضعها الاقتصادي بسبب العقوبات المستمرة. من جهة أخرى، فإن حزب الله، الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بإيران في سوريا ولبنان، أصبح في مرمى الاستهداف الدولي. تحولات كبيرة حدثت في لبنان مؤخرًا بعد تصعيد العمليات ضد حزب الله، والتي أدت إلى تقليص قوته وتغيير قواعد اللعبة في المنطقة. يمكن أن يشهد المستقبل مزيدًا من الضغوط على هذه التنظيمات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية على العراق وميليشياته.

دور الغاز القطري في المنطقة أصبح محوريًا أيضًا، إذ إن مشروع خط الغاز القطري الذي يمر عبر الأردن وسوريا وتركيا يعد أحد العوامل التي قد تكون حاسمة في تغيير موازين القوى الإقليمية. قطر تسعى منذ سنوات إلى إنشاء شبكة غازية تربطها بأوروبا، لتحد من الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. وظهور هذا المشروع سيفتح الباب أمام تعاون اقتصادي بين دول المنطقة، بما في ذلك سوريا وتركيا والسعودية. هذه التغيرات الاقتصادية ستكون جزءًا من مرحلة إعادة إعمار سوريا، وهي عملية مرهونة بتغيير موازين القوة بين إيران وتركيا وروسيا.

دور تركيا في سوريا يظل محوريًا، حيث تعمل على بناء نفوذ قوي في المنطقة. في الوقت نفسه، تركيا تفتح الطريق أمام السعودية ودول الخليج لتكون جزءًا من عملية إعادة الإعمار. السعودية، التي كانت داعمة للمعارضة السورية في سنوات الثورة، يبدو أن مصالحها في سوريا قد تغيرت. فهي اليوم تلعب دورًا رئيسيًا في إعادة العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة، على خلفية سعيها لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة.

العدالة الانتقالية وإعادة البناء:

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومة السورية الجديدة ليس في التعامل مع القوى الإقليمية فقط، بل في إعادة بناء الدولة والمصالحة الوطنية. حيث أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون أولوية، فمن دون محاسبة النظام السابق، فإن الجراح التي خلفها الأسد ستظل مفتوحة، مما يعقد عملية البناء السياسي. يجب أن يتم الاعتراف بالأضرار التي لحقت بالمواطنين السوريين على مدار السنوات الماضية، وأن يتم العمل على التحقيق في الجرائم، وإعادة الحقوق للمتضررين.

العدالة الانتقالية في سوريا تتطلب الشفافية والمصداقية، ولا بد من إشراك جميع الأطراف في عملية المصالحة، بما في ذلك أطياف المعارضة السابقة. إعادة إعمار سوريا لا تتعلق فقط بالبنية التحتية، بل بتجديد العقد الاجتماعي بين الشعب والدولة، وهو ما يشمل تحقيق العدالة للشعب السوري، وإعادة بناء الثقة بين مختلف الفئات.

من الضروري أن تأخذ الحكومة السورية الجديدة خطوات جادة في فتح حوار شامل مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية في البلاد، كي تحقق التعايش المستدام والمصالحة الوطنية. ويجب أن تشمل هذه العملية العدالة الاقتصادية والإنصاف للمناطق التي تضررت بشدة جراء النزاع المستمر.

التحديات الكبرى: التعددية وتفتت السيادة

في خضم هذه التحولات، تبرز إحدى التحديات الكبرى: تعددية الحكم وتفتت السيادة. فعلى الرغم من سقوط نظام الأسد، إلا أن سوريا لا تزال تعاني من انقسام داخلي بين العديد من الفصائل والقوى. وهذا الوضع يعكس تفتت السيادة على الأرض السورية، حيث تحكم كل منطقة قوة محلية أو إقليمية. سوريا أصبحت، عمليًا، أشبه بدولة متعددة الأنظمة والسلطات، وهو ما يجعل عملية بناء دولة مركزية وقوية أمرًا صعبًا للغاية.

الحكومة السورية الجديدة، برئاسة السيد أحمد الشرع، تجد نفسها أمام تحديات كبيرة في محاولة فرض سيادتها على الأراضي السورية كافة. الاتفاقات التي أبرمت بين الحكومة وميليشيا “قسد” بقيادة مظلوم عبدي لم تحقق نتائج ملموسة، حيث كانت المعارك بين الجانبين مستمرة بعد التفاهمات. في الوقت نفسه، شهدت مناطق مثل السويداء تعقيدًا إضافيًا، حيث كانت هناك محاولات إسرائيلية للضغط على الحكومة السورية، إلا أن هذه المحاولات فشلت في خلق تغيير حقيقي في الواقع السوري.

الطريق إلى الاستقرار:

الاستقرار في سوريا يتطلب توافقًا إقليميًا ودوليًا، وليس مجرد اتفاقات اقتصادية. وهو ما يجعل من التنسيق بين السعودية وتركيا وقطر أمرًا حيويًا لإعادة صياغة مستقبل سوريا، بعيدًا عن تأثيرات إيران وروسيا. كما أن إعادة بناء سوريا لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي فقط، بل هي عملية معقدة تشمل العدالة الانتقالية، المصالحة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطياف السورية.

خاتمة:

إن المرحلة المقبلة في سوريا مليئة بالفرص والتحديات على حد سواء. إعادة بناء سوريا بعد حكم الأسد لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي فقط، بل هي عملية معقدة تشمل العدالة الانتقالية، المصالحة الوطنية، وإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطياف السورية. في الوقت نفسه، التوازن الإقليمي سيظل محط اهتمام القوى الدولية، خاصة في ظل المنافسة على موارد الطاقة، والنفوذ في المنطقة. النجاح في هذه المرحلة يعتمد على القدرة على تحقيق تسوية عادلة وعلاقات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي لا تخدم سوى مصالح القوى الكبرى.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...