خليل البطران
في ظل الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها سوريا، بات من الضروري اتخاذ خطوات جادة للخروج من الأزمة. ورغم التعقيدات الموجودة، إلا أن هناك مسارًا واضحًا يمكن اتباعه لتحقيق الاستقرار والازدهار. إليكم بعض الخطوات الأساسية التي قد تساهم في إخراج سوريا من عنق الزجاجة:
1. تشكيل الحكومة الانتقالية وتسمية أعضاء مجلس الشعب:
تم انتخاب السيد أحمد الشرع رئيسًا للجمهورية العربية السورية، وقد تم الإعلان عن تشكيل الحكومة الانتقالية بموجب الدستور الجديد. ولكن حتى الآن، لم يتم تسمية أعضاء الحكومة الانتقالية. أول خطوة سياسية للإصلاح هي أن يقوم السيد أحمد الشرع بتسمية أعضاء حكومته الانتقالية، بحيث يعكسون التنوع الوطني ويشملون كافة المكونات السورية. يجب أن يتم اختيار هؤلاء الأعضاء بناءً على الكفاءة والقبول الوطني من جميع فئات الشعب السوري. كما يجب الإسراع في تشكيل مجلس شعب يعكس هذا التنوع ويعزز من الشرعية السياسية للحكومة.
2. الإسراع في تنفيذ اتفاقات الشرع مع مظلوم عبدي:
الاتفاق الذي جرى بين السيد أحمد الشرع ومظلوم عبدي قائد “قسد” يمثل خطوة مهمة نحو استعادة سيطرة الحكومة السورية على المناطق الشمالية الشرقية. يجب تسريع تنفيذ هذا الاتفاق لضمان عودة جميع الموارد والموارد الاقتصادية في الجزيرة السورية إلى خزينة الدولة، وهو ما سيعزز قدرة الحكومة على دفع عجلة الاقتصاد.
3. حل مشكلة السويداء وتوحيد الصف الوطني:
مسألة السويداء تمثل تحديًا آخر يتطلب حلولًا عاجلة. ينبغي على الحكومة السورية أن تتحرك بسرعة لحل المشكلة، عن طريق التواصل مع العقلاء الوطنيين من الدروز، وتقوية العلاقات مع المجتمعات المحلية لتجنب التراخي في التعامل مع القضايا العالقة. سحب البساط من تحت الشخصيات التي تهدد الاستقرار، مثل الهجري، يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية الحكومة.
4. تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية:
المصالحة الوطنية تبدأ بتطبيق العدالة الانتقالية، وهي ضرورية لإنصاف الضحايا وجبر الضرر. يجب محاسبة المجرمين الذين ارتكبوا الانتهاكات بحق الشعب السوري، مع ضمان حقوق الضحايا وتعويضهم. هذا سيسهم في بناء الثقة بين المواطنين والدولة.
5. إعادة الإعمار وتهيئة البنية التحتية:
المرحلة المقبلة تتطلب الإسراع في إعادة الإعمار، وتحديث البنية التحتية في جميع المجالات من الصحة والتعليم والكهرباء والمواصلات. ينبغي أيضًا إدخال التكنولوجيا إلى جميع المجالات الحكومية لرفع كفاءة العمل الإداري وتحسين الخدمات العامة.
6. إصلاح النظام التعليمي:
إعادة تأهيل الجامعات السورية وتحديث النظام التعليمي بما يتماشى مع احتياجات العصر، سيكون له دور مهم في إعداد جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل. التعليم هو الأساس في بناء وطن قوي.
7. كتابة دستور جديد يعزز الديمقراطية:
يجب البدء في كتابة دستور جديد للبلاد يضمن حقوق جميع المواطنين، ويعزز قيم الديمقراطية والمواطنة. هذا الدستور يجب أن يضمن تمثيل جميع الأطياف السورية ويعزز من بناء دولة القانون والمؤسسات.
8. ورش عمل لتعزيز التعايش المشترك:
بعد سنوات من التوترات والنزاعات، يجب العمل على إنشاء ورش عمل للتواصل بين مختلف المكونات المجتمعية وتعزيز قيم التعايش المشترك. هذه الورش ستساعد في رأب الصدع الذي خلفه النظام السابق في المجتمع السوري، وتعزز من بناء مجتمع يسوده الأمن والتآلف.
9. بسط الأمن وسيادة الدولة:
أخيرًا، يجب أن تكون الأولوية لبسط الأمن في كافة أنحاء سوريا وضمان سيادة الدولة على جميع أراضيها. لا يمكن لأي إصلاحات اقتصادية أو سياسية أن تنجح دون استقرار أمني، وهو ما يستلزم إعادة بناء أجهزة الأمن والجيش الوطني.
10. إشراك المجتمع المدني في عملية الإصلاح:
من الضروري إشراك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في عملية إعادة الإعمار والمصالحة الوطنية. دور المجتمع المدني في دعم المشاريع المحلية وتعزيز التنسيق بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية له أهمية كبيرة في تحقيق استقرار مستدام. كما يمكن للمجتمع المدني أن يسهم في تعزيز القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في إطار البيئة السياسية الجديدة.
11. التأكيد على الوحدة الوطنية:
على الرغم من التحديات، فإن تعزيز الوحدة الوطنية سيكون العامل الأساسي في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل. يتطلب ذلك بناء الثقة بين جميع المكونات السورية، بما في ذلك الأقليات والمجموعات المختلفة، لضمان مشاركة الجميع في بناء وطن يسوده العدالة والمساواة.
إضافة حول مؤتمر الحوار الوطني:
من المهم أيضًا أن نضيف مؤتمر الحوار الوطني الذي تم عقده، مع التأكيد على أن عقده كان ينبغي أن يكون بعد تطبيق العدالة الانتقالية. فالتسلسل الزمني للأحداث مهم لضمان تحقيق العدالة للأفراد المتضررين من الانتهاكات السابقة. في حال تم تطبيق العدالة الانتقالية أولاً، كان من الممكن أن تساهم في بناء بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا، مما يسمح بجو من المشاركة الفعالة والشاملة لجميع الأطراف في الحوار الوطني. هذا التوقيت كان سيسهم بشكل أكبر في ضمان نتائج أكثر مصداقية وقبولًا من الجميع.
إصلاح القطاع المصرفي ورفع العقوبات:
إصلاح القطاع المصرفي يعد خطوة حاسمة في إعادة بناء الاقتصاد السوري. يجب تحديث التشريعات المصرفية وتعزيز الشفافية في النظام المصرفي السوري، إلى جانب تحسين البنية التحتية للمصارف واتباع معايير مصرفية دولية تهدف إلى حماية أموال المودعين وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي. من الضروري أيضًا فتح المجال أمام المصارف لتوفير القروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لدعم الاقتصاد المحلي وتحفيز الاستثمارات الوطنية والأجنبية.
وفي سياق آخر، من الضروري الضغط على المجتمع الدولي، وخاصة الحكومة الأمريكية، لرفع عقوبات “قانون قيصر” التي تؤثر بشكل كبير على قدرة الحكومة السورية على إجراء إصلاحات اقتصادية وتنمية القطاع المصرفي. كما يجب استثمار الفرص المتاحة من خلال المؤتمرات الدولية مثل مؤتمر المانحين في بروكسل، الذي ينظمه الاتحاد الأوروبي، من أجل الحصول على الدعم الدولي لإعادة الإعمار. هذا الدعم يجب أن يترافق مع الإصلاحات المصرفية ورفع العقوبات ليتمكن الاقتصاد السوري من النهوض بشكل مستدام.
تشجيع الاستثمارات الأجنبية وبسط الأمن:
من أجل تحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد، يجب أن تعمل الحكومة على تشجيع الاستثمارات الأجنبية، حيث يُعد رأس المال أحد العوامل الأساسية للنمو الاقتصادي. لجذب هذه الاستثمارات، يجب أن تتمتع سوريا ببيئة اقتصادية مستقرة وآمنة تضمن حقوق المستثمرين. ولتحقيق هذا، يجب على الحكومة أن تتخذ خطوات فاعلة لبسط الأمن في كافة الأراضي السورية. لا يمكن لأي استثمار أجنبي أن ينجح في بيئة تشوبها المخاوف الأمنية أو الاضطرابات. لذا، فإن تعزيز سيادة الدولة في جميع المناطق السورية من خلال استعادة الأمن والاستقرار يشكل الأساس الذي يقوم عليه النمو الاقتصادي.
وفيما يتعلق بالجيش الوطني، يجب إصلاح وتطوير قدرات الجيش السوري بما يتماشى مع المتغيرات الحديثة. يمكن الاعتماد على الخبرات العسكرية السابقة، بما في ذلك الضباط المنشقين الذين لديهم المهارات العسكرية والكفاءة القيادية اللازمة. يجب إعادة تأهيل هؤلاء الضباط وإعادتهم إلى الخدمة تحت هيكلية جديدة ومتطورة، بحيث يتمكنوا من أداء واجباتهم بكفاءة عالية. هذا الإصلاح العسكري سيعزز من قدرة سوريا على حماية سيادتها من أي تهديدات داخلية أو خارجية، مما يعزز من الثقة في قدرة الدولة على تأمين بيئة استثمارية آمنة.
الخاتمة:
الخروج من عنق الزجاجة يتطلب جهدًا جماعيًا وقيادة حكيمة، إلى جانب إرادة حقيقية للإصلاح. إذا تم تنفيذ هذه الخطوات بشكل فعّال، يمكن لسوريا أن تستعيد استقرارها وتنطلق نحو مرحلة جديدة من النمو والتقدم، يشارك فيها جميع أبنائها في بناء الوطن وتحقيق السلام. في النهاية، تبقى الوحدة الوطنية والإرادة الشعبية هي الأساس في تحقيق النجاح، ويجب أن تتضافر جهود الجميع من أجل بناء سوريا المستقبل.





