بين التخادم والعداء: إعادة قراءة العلاقة بين إيران وإسرائيل

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

خليل البطران

 

 

اندلاع الحرب وتوسع المواجهة الإقليمية

اندلعت شرارة الحرب الأخيرة في المنطقة بشكل مفاجئ، لكنها لم تكن منعزلة عن التوترات المتراكمة سابقًا. استهدفت الضربات الإسرائيلية بشكل مدروس ودقيق تحالفات إيران الإقليمية، لاسيما حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، اللذين يُعتبران امتدادًا مباشرًا لنفوذ طهران في محيطها الجغرافي. لم تقتصر العمليات على الخارج فحسب، بل توسعت لتصل إلى الأراضي الإيرانية نفسها، حيث استهدفت مواقع استراتيجية تابعة لإيران، ما يؤكد تصميم إسرائيل على منع إيران من تطوير قدرات عسكرية تشكل تهديدًا وجوديًا لها. بهذا التحرك، بات الصراع أكثر شمولية وتعقيدًا، ما يبرز الصراعات متعددة المستويات التي تجمع بين الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة.

تاريخ التخادم بين إيران وإسرائيل: قراءة في الأربعين سنة الماضية

يرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أحمد الهواس أن العلاقة بين إيران وإسرائيل ليست ببساطة علاقة عدو وعدو، بل هي علاقة معقدة تمزج بين التخادم والعداء، امتدت لأكثر من أربعين عامًا. خلال هذه الفترة، وُجدت خطوط تواصل وتعاون غير معلنة بين الطرفين، حيث ترافق ذلك مع مصالح مشتركة أحيانًا وخدمات تنفيذية على مستويات مختلفة. ويرى الهواس أن التصعيد الحالي لا يعكس صراعًا أيديولوجيًا جذريًا بقدر ما هو انعكاس لتغير في المصالح وتحولات استراتيجية داخل المنطقة. هذا التصور يفتح نافذة لفهم أكثر واقعية وعمقًا للعلاقات بين الطرفين بعيدًا عن الخطابات الرسمية والتصريحات الإعلامية التي غالبًا ما تغطي على حقائق معقدة.

الصراع على التفوق العسكري: الردع النووي والطائرات المتقدمة

تنشأ الخلافات الحقيقية اليوم من رفض إسرائيل أن يمتلك أي طرف إقليمي، وخاصة إيران، قدرات نووية أو تقنيات عسكرية متقدمة قد تهدد تفوقها الاستراتيجي. يعتبر البرنامج النووي الإيراني محورًا رئيسيًا في هذا الصراع، إذ ترفض إسرائيل بشكل قاطع أن يتحول أي بلد في المنطقة إلى قوة نووية منافسة. كما تجلى هذا الموقف في معارضتها لحصول تركيا على مقاتلات F-35 الأمريكية من الجيل الخامس، ما يعكس حرصها على الحفاظ على ميزان قوى إقليمي يمنحها تفوقًا نوعيًا عسكريًا. من هنا، ظهرت ظاهرة “الحرب الهجينة” التي تضم صراعات سرية في مجالات الاستخبارات والهجمات السيبرانية، تهدف إلى تقويض قدرات الخصوم دون الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة.

دور الولايات المتحدة في الحرب وتأثيرها على موازين القوى الدولية

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب بشكل مباشر، حيث لعبت دورًا فعالًا في ضرب قواعد عسكرية مهمة مثل قاعدة فورد، إلى جانب عمليات إصفعان وطنزان. هذا التدخل يعكس بوضوح استمرار أمريكا في كونها القطب الأوحد المسيطر على النظام الدولي، رغم محاولات الصين وروسيا تعزيز وجودهما على الساحة العالمية. إلا أن التحالفات بين هذه القوى الكبرى وإيران تبقى في جوهرها اقتصادية وليست استراتيجية بالمعنى الحقيقي، ولا تمتلك القدرة على إحداث تغيير جوهري في ميزان القوى أو تهديد الهيمنة الأمريكية بشكل مباشر وفعّال.

إعادة تقييم التحالفات الإقليمية في ظل الحرب الهجينة

لقد أثبتت هذه الحرب أن على الدول الإقليمية مراجعة تحالفاتها ودرجة جدواها، خصوصًا في لحظات الاختبار الحقيقية. فقد اتضح أن العديد من هذه التحالفات كانت ظرفية أو غير ملزمة، ولم تصمد أمام تحولات المصالح الكبرى للقوى الدولية. لذلك، يصبح من الضروري أن تبني الدول استراتيجيات أمنية مستقلة نسبيًا، تراعي سرعة التبدلات في التحالفات الدولية والإقليمية، بدلًا من الاعتماد على تحالفات قد تتخلى عنها حين تتعارض المصالح مع القوى العظمى.

تباين مستويات الضرب: بين التدمير البنيوي والتأثير الرمزي

في ضوء تصاعد الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، يظهر تباين واضح في نوعية وأهداف الضربات التي يوجهها كل طرف. فالضربات الإيرانية، وإن كانت دقيقة في انتقائيتها، تتركّز غالبًا على أهداف رمزية ومدنية، مثل مبنى البورصة أو مراكز أبحاث، ما يخلق أثرًا نفسيًا لدى الرأي العام الإسرائيلي دون المساس ببنية القرار السياسي أو العسكري.

في المقابل، تتحرك إسرائيل ضمن استراتيجية تفكيكية شاملة، تستهدف البنى التحتية الحيوية (الطاقة، المياه)، ومراكز القيادة والسيطرة، وصولًا إلى البرنامج النووي والمنظومات الاستخباراتية. الأهم أن تل أبيب لا تكتفي بتوجيه ضربات تكتيكية، بل تسعى صراحة إلى تعطيل قدرة طهران على إعادة إنتاج القيادة.

وقد أشار إلى هذا التقييم العسكري المتخصص محمود إبراهيم المؤيّد، رئيس وحدة الدراسات والأبحاث المستقبلية في مركز “برق” والمتخصص في الدراسات الأمنية، الذي وصف الضربات الإسرائيلية بأنها “تجاوزت الاستهداف التكتيكي لتصبح حملة منهجية تهدف إلى تفكيك بنية القرار الإيراني واستنزاف قدراته القيادية.”

ففي الموجات الأولى من الضربات الجوية (فجر 13 يونيو 2025)، تم تحييد قيادات الأركان، تلتها موجة ثانية استهدفت الأمن القومي والاستخبارات. وأثبتت الضربات اللاحقة أن إسرائيل مصمّمة على منع إعادة ترميم هذه القيادات، ما يشي بأننا أمام تحوّل من “ردع مؤقت” إلى “تفكيك بنيوي للنظام الإيراني”.

هذه الحروب المعاصرة تقوم بفرز دقيق للأصدقاء والأعداء، وتعيد اختبار مدى قوة التحالفات بين الدول ومدى أهمية الشراكات الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية. فلا يمكن للمتحالفين أن يعتمدوا على تحالفات هشة أو مصالح ظرفية، إذ يبرز في ساحات الصراع من يستحق الدعم ومن يتراجع عند أول اختبار.

خاتمة

في ضوء ما كشفته الحرب الأخيرة من حقائق ومعطيات، تتضح أمامنا ضرورة إعادة النظر العميقة في طبيعة العلاقات والتحالفات الإقليمية. العلاقة بين إيران وإسرائيل ليست ثنائية عداء تقليدية، بل هي شبكة معقدة من التخادم والتنافس، تتأرجح وفق مصالح متغيرة وتوازنات قوى هشة. وفي ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية كقطب وحيد، والتحالفات الاقتصادية غير الاستراتيجية بين الصين وروسيا وإيران، تتطلب المرحلة الحالية من الدول الإقليمية تبني استراتيجيات أمنية وسياسية أكثر مرونة واستقلالية.

إن مراجعة هذه التحالفات وإعادة بناء موازين القوى المحلية باتت ضرورة حتمية، ليس فقط لمواجهة الأزمات الراهنة، بل لضمان استقرار طويل الأمد في منطقة لطالما كانت مسرحًا للصراعات المتشابكة. فقط عبر فهم دقيق للتداخلات المعقدة بين الأعداء والأصدقاء، يمكن للدول الإقليمية أن تحمي مصالحها وتخطط لمستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...