عبد القادر الفرساوي
كلما ظننا أن اليمين المتطرف في إسبانيا قد بلغ ذروة الوقاحة، يفاجئنا حزب VOX بمستوى جديد من الجهل العدواني. هذه المرة، قرر أن يعلن الحرب على اللغة العربية، لا لأنها لغة عنف أو كراهية، بل لأنها ببساطة لغة المغرب والمغاربة.
في مدينة ويلبا، خرج علينا الحزب بمقترح لإلغاء برنامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية للأطفال المغاربة، بحجة “مكافحة الأسلمة”. نعم، بهذا القدر من الانحطاط اختزلت لغة عمرها 14 قرنا في شماعة الإرهاب، واختزلت ثقافة شعب كامل في ملف أمني.
لكن دعونا نقلب الطاولة. تخيلوا، فقط تخيلوا، أن المغرب قرر فجأة منع تدريس اللغة الإسبانية في مدارسه الإسبانية الرسمية. تخيلوا أن تطرد معلمة ثيربانتس من الرباط لأنها “تهدد الهوية الوطنية”. أو أن نلزم أطفالكم بأداء التحية الصباحية بـ”السلام عليكم و صباح الخير” بدلا من ¡Hola! و Buenos días، وأن يأكلوا الكسكس كل جمعة، ويرتدوا الجلابيب و القفطان المغربي بدلا من سراويل الجينز.
هل ستحبون ذلك؟ هل ستسمونه “اندماجا”؟ أم ستدقون ناقوس الخطر عن “قمع الهوية الإسبانية في إفريقيا”؟
في المغرب، لدينا مدارس إسبانية تدرس بثقة لغة سيرفانتس وأشعار لوركا، ومعاهد ثيربانتس تحظى بكل الاحترام، بل وبتسهيلات لا يحلم بها كثير من أبناء البلد. لم نر أحدا يرفع شعار “مكافحة التنصير” ضد تدريس الإسبانية. لأننا بكل بساطة لا نعاني من عقدة ثقافية تجاه الآخر.
لكنكم، أنتم في VOX، ترتعدون من الحرف العربي. تخافون من طفل مغربي يعرف كيف يكتب اسمه بلغة أجداده أو يكتب لأمه بالعربية أحبك. ترفضون أن يعلم أبناء الجالية شيئا غير ما تمليه عليكم عقد التفوق، وكأن الهوية الإسبانية تهددها قصيدة لنزار قباني أو درس عن ابن بطوطة.
ما تفعلونه لا علاقة له بالدفاع عن القيم، بل هو هروب إلى الأمام من فشلكم السياسي والأخلاقي. تستثمرون في الكراهية لأنكم عاجزون عن الاستثمار في الأفكار.
وتضربون الثقافة لأنها الشيء الوحيد الذي لا يمكنكم ترويضه.
أنتم لا تحاربون برنامجا ثقافيا، بل تحاربون التعدد والكرامة والحق في أن نكون “مغاربة وإسبانا” في آن معا.
دعونا نكون واضحين: لن نعتذر عن لغتنا. ولن نخجل من هويتنا. وإذا كنتم تصرون على محو الآخر، فاعلموا أن الآخر يعرف كيف يدافع عن نفسه… بالكلمة، وبالعقل، وبالحق.
وهنا يأتي دور الحكومة الإسبانية. إن التزام مدريد باتفاقياتها مع الرباط لا يقاس فقط بالمصالح الاقتصادية والأمنية، بل يقاس أيضا بمدى احترامها لجاليتها من أصل مغربي، والتي تمثل ثاني أكبر جالية أجنبية في البلاد. السكوت عن هذه المهزلة التي يقودها VOX ليس حيادا، بل تواطؤ بصمت مخجل.
على الحكومة الإسبانية أن تقول كلمتها الواضحة: إن الثقافة لا تحظر. وإن اللغة ليست عدوا. وإن المدرسة ليست ساحة لتصفية حسابات سياسية، بل فضاء للتربية على التعايش، لا التحريض على الكراهية.
وفي النهاية، من يخف من لغة، فليعد إلى مقاعد الدراسة… لا إلى البرلمان.





