الدعاة الجدد بين واجب التكليف ومأزق التوظيف.

 

 

 

 

محمد كندولة

 

 

معلوم أن غايات الداعية من نشاطاته و تحركاته في الفضاءات العمومية والخصوصية، هو تصحيح العقائد، وتقوية العبادات، وتقويم المعاملات، فقد يدعو إلى التبرؤ من النفاق الأكبر، بتصحيح الإيمان وإثبات قواعده، لأنها السبيل الأوحد إلى حياة طيبة على الأرض وفي السماء، لكن اللعب على إشعال التواثرات والصدام بين المخالفين والفرقاء، ذوي النزعات القبلية والعرقية، و استثمار وضعيات الشرائح الاجتماعية المهمشة داخل المجتمع، يخرج الدعاة الجدد من واجب التكليف الدعوي، إلى مآزق التوظيف السياسي، الذي يعتبر آلية سياسية لها نتائج معتبرة، مع ضرائب غالية. فالشراك قوي، والوقوع فيه وارد عند اختلاط الأهداف وتقاطع المصالح، فيتم توظيف طرف لآخر لتحقيق مشاريعه الصغرى والكبرى.
فما هي أسباب السقوط في التوظيفات الداخلية والخارجية، والابتعاد عن الغايات والأهداف السامية للدعوة الإسلامية؟
إجابة عن هذا السؤال نقول أن هناك أربعة أسباب على الأقل لذلك. وهي أولا قلة الخبرة السياسية. ثانيا تضخيم الجانب المادي على الجانب الروحي. ثالثا الواقعية السائلة. رابعا الاستبعاب بمنهج مختل.
1) قلة الخبرة الساسية: فإن للغياب عن ساحة الشأن العام،بسبب جفاف الميدان السياسي، ويبس الجانب الفكري والعلمي، واعتبار الشأن السياسي من الكماليات، أو من العبث الذي يجب تجنبه، وصخامة الابتلاءات والقمع والتنكيل،أفقد الدعاة الجدد التعاطي مع المجال السياسي، مكتفين بالنوايا الصادقة التي لا تجدي في التسيير و التدبير، بل ان التمسك بجميع خيوط اللعبة السياسية هو السبيل لتحقيق المطلوب شرعا، لذى فوضع استراتيجية دعوية وعلمية لتلافي هذا النقص يساعد على الحضور بفاعلية عالمة ومتعلمة، دون الاجتهاد لإيجاد مسوغات الانعزال ومبررات الترك والابتعاد.
2) تضخم الجانب المادي على الجانب الروحي: فتحت ضغط المفاهيم اللبيرالية، واجتياح أدوات الرأسمالية وشيوع فلسفتها ونظرياتها، جعلت الدعاة الجدد يختزلون المقاصد الشرعية في حل مشكلات التنمية والبطالة وأزمة الإسكان..وفي هذا انحراف واختزال للشريعةفي الماديات وترك الروحانيات والايمانيات .
فاذا كان الدعاة الجدد لا يصرحون بذلك، فإن خطاباتهم تشير إلى هذا التحول المفروض بقوة الواقع الليبرالي المالي والمادي ، خطابات تغفل الغايات العقائدية والايمانية مع الإشادة بالغايات الدنيوية .
وقد يستشهد ببعض التجارب الناجحة ماديا، كالتجربة الماليزية والتركية.
والخلاصة أن في هذا الاختزال وهذا التوجه تزييف للوعي، وتوظيف في تحقيق أهداف وغايات التوجهات المادية المسيطرة على الواقع المادي العربي والإسلامي الشيء الذي لا يقبله المثقف الموضوعي المهتم بالشأن الدعوي المقاصدي.
3) الواقعية السائلة: معلوم أن السوائل تتشكل بحسب الاناء الذي تسكب فيه، وكذلك شأن الأشخاص فيتشكلون بحسب الفضاء الفكري الضاغط والمهيمن.
فالفضاء الفكري الذي تسيطر عليه القيم الإسلامية يكون التدين فيه معتدلا مقبولا، رغم الصدامات بسبب اختلاف الرؤى وعدم جاهزية المجتمعات لتقبل تدين فطري سليم.
أما الفضاء الذي تهيمن عليه فكرة التعايش السلمي وقبول الآخر مع السكوت على أخطائه المضرة بالأصالة الإنسانية والشريعة الربانية التي تحث على التعامل مع الواقع، والتفاعل مع الأحداث والمستجدات، والتكيف مع المتغيرات بالأدوات و الوسائل المتاحة، مع عدم العبث بالمفاهيم الأصلية باعتماد تأويلات عائمة،فاقدة للوضوح والشفافية.
4) اعتماد منهجيات مختلة للاستيعاب :
فمما لا شك فيه أن الواقع يزخر بتيارات متعددة، فهناك تيارات المفاصلة بالعنف اللفظي حين الإجابة على مسائل اجتهادية لا إجماع فيها ولا مخالفة، وهناك تيارات تقبل الخلاف وتفتح باب الاستيعاب بعدم تصحيح الآراء المخالفة للاجماع .
فالطريق الصحيح للاستيعاب الجيد ، يجب أن نتعلم فيه أن لا تنافي فيه بين إحسان الظن بالمخطئ والترفق به، ولا تعارض بين حفظ سابقته في الخير، ودعوته إلى التعاون في موارد الاتفاق، مع اعتماد النقد و الرد بلغة صريحة ومهذبة.
إذن فغياب فن التصحيح وتغليب جانب الاستيعاب يؤذيان حتما إلى تجدير المفاهيم الخاطئة، الشيء الذي سيصعب معالجتها فيما بعد، ويستحيل استئصالها مع مرور الوقت وطول الزمن مما يجعل مناخ الدعوة غير مقبول عند الغيورين، الذين سيضطرون إلى الإحجام عن العمل وعدم الدخول في طريق الهداية ماولم يصحح ويقوم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...