صراع الهوية ومستقبل المسلمين في بريطانيا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

أحمد محمود عجاج

 

لم يكن يحتاج الأمر لطعن لاجئ سوداني مواطناً أبيض في بلفاست حتى تشتعل المدينة، وتحترق أبنية يقطنها لاجئون أو مواطنون قدرهم أن بشرتهم سمراء. كل المؤشرات السابقة دلت على غليان تحت السطح، والطعن كان القشة التي قصمت ظهر البعير. وقبل بلفاست طعن مواطن بريطاني من أصل هندي مواطناً بريطانياً أبيض، ثم هاتف أخو المطعون الشرطة قائلاً إن أخاه تعرض لإهانات عنصرية. الغريب أن الشرطة صدقت الطاعن، وتركت المطعون ينزف، ويصرخ أنه مطعون ولا يستطيع التنفس، حتى لفظ أنفاسه. في الحادثتين كلتيهما نادى زعيم حزب الإصلاح نايجل فراج، وزعيم اليمين المتطرف (العنصري) تومي روبنسون، ورجل الأعمال وصاحب منصة «إكس» إيلون ماسك، نادوا، بتفاوت، بالتعبير عن الغضب العادل؛ فكانت النتيجة مظاهرات، وإصابات للشرطة، واعتداءات على مواطنين، وممتلكات عامة.

هذه الظواهر تشي بقادم أعظم، وتعيدنا لعقد الستينات عندما تحدث آنذاك النائب إنوك باول عن «سيلان بحر من الدماء» نتاج حرب بين الأعراق المختلفة، وعارض قوانين ضد التمييز لأنها ستنقلب للتمييز ضد السكان الأصليين. لكن بريطانيا تجاوزت قطوع الكراهية، وبنت مجتمعاً تعددياً، ولم تتحقق نبوءة بحر الدماء. فلماذا تعود الآن الكراهية؟! ولماذا يُستهدف المسلمون بالذات؟ ولماذا يُسعِّر أثرياء ومسؤولون في الإدارة الأميركية نار العداء بين البيض والسمر؟! الإجابة يمكن حصرها، للإيجاز، في ثلاثة عناصر: الاقتصاد، والثقافة الأوروبية، والهوية. فالاقتصاد حتّم بعد الحرب العالمية الثانية هجرة كبرى من دول تابعة لبريطانيا للمشاركة في الإعمار، فانتعش الاقتصاد، وتعايش السكان الأصليون، مع أن عبارة «السكان الأصليون» مضللة، مع القادمين بسبب الوفرة الاقتصادية، وتوفير الدولة، وبالذات للأصليين، متطلبات الحياة من رعاية اجتماعية وطبية وتعليمية، وسلم وظيفي.

وكما موارد الطبيعة تتناقص، كذلك موارد الاقتصاد المحلي، فانكمش النمو منذ عام 2008، وكرست الحكومات المحافظة سياسة التقشف على الجميع، ثم كان الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتوسع التراجع الاقتصادي، وتردت الخدمات، وبالذات بعد أزمة «كورونا»، مما جعل السكان الأصليين، وبالتحديد من الطبقة العمالية والوسطى، ينقلبون على النخب الحاكمة، ويحمّلونهم مسؤولية مصابهم. ولما كانت كل أزمة فرصة للطامحين السياسيين؛ ظهرت أحزاب يمينية متطرفة تروج، كذباً، لتلك الفئات أن من سرقهم هم اللاجئون الذين يحصلون على منازل، ومنافع، وأموال لا ينالها السكان الأصليون. فمقولة اليمين المتشدد في أوروبا: يوجد في فرنسا ثلاثة ملايين عاطل، وثلاثة ملايين لاجئ، المغزى منها: اطردوهم لننال وظائفهم. هذه القاعدة ذهبية لدى أحزاب اليمين المتشدد.

أما عنصر الثقافة فلأنه في زعم اليمين المتشدد، ومعه المحافظ إلى حدٍّ ما، يمثل خطراً وجودياً، ماحياً للحضارة الأوروبية. هذا الخطر، في رأيهم، يجسده المسلمون لحملهم عقيدة لا تقبل الاندماج، وفوقية، وتريد تغيير المجتمع الأوروبي؛ فاليمين يشير إلى تكاثر المساجد، وانتشار الزي الإسلامي، وتعدد القوانين التي ترجح حقوق الأقليات على الأكثرية البيضاء. ولعل مطالبة اليسار الحكومة، وتماهي المسلمين معها، باعتذارات تاريخية، وتعويضات عن جرائم البريطاني الأبيض في مستعمراته، رفعت أكثر منسوب الكراهية. وأصبح عادياً أن يقول اليمينيون المتشددون، ومنهم ماسك، ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن الحضارة الأوروبية في خطر ما دامت أبواب الهجرة مفتوحة. هذه الاتهامات عززها سلوك مسلمي بريطانيا؛ فأظهروا أنفسهم كقوة دينية سياسية، ومارسوا شعائرهم علانية، وفي أماكن عامة، فاستفزوا الأغلبية، ووفروا الأكسجين لليمين المتشدد. هذه المواجهة استقدمت سؤالاً مصيرياً: هل بريطانيا دولة متعددة الهويات أو دولة مسيحية – أوروبية – محافظة.

اختار حزب المحافظين بناء هوية بريطانية بأسس مسيحية محافظة، ورفض وجود قوانين تفضيلية للأقليات تحت أية ذريعة. وهذه دعوة ضمنية لاسترجاع عقد الستينات، وما صاحبه من عنصرية، واعتداءات، وخسائر للفرص الاقتصادية والاجتماعية. واختار حزب العمال التشديد على الهوية، إنما باستحياء، ومقاربة القضية من الباب الطبقي؛ بمعنى أن الأبيض والأسمر مضطهدان، والحل بتوفير العدالة، وفرص العمل، وبناء مجتمع تعددي، يراعي الثقافة الأصلية. أما اليمين المتشدد الشعبوي فيرى النخب فاسدة، والهوية ضائعة، والحل باستنهاض الطبقة البيضاء لاستعادة بلدها، وتوفير حوافز لتهجير طوعي، أو قسري، حتى لمن نال المواطنة. فاليمين الشعبوي يرى بريطانيا بيضاء، وثقافتها مسيحية أوروبية، ومن لا يعجبه فليرحل.

السياسي الشعبوي يرى نفسه معبراً عن إرادة الشعب، في حين أن الليبرالي والمحافظ يريان أنفسهما ممثلَين للشعب؛ الأول يرى نفسه صورة لإرادة الشعب، والثاني يفتش بعقله عن مصلحة الشعب. الشعبوي لا يخطئ، في حين أن الليبرالي الديمقراطي يعترف بالخطأ، ويحاول الإصلاح. ولما كان الخيار بينهما واضحاً؛ كان لازماً على الأقليات، وبالذات المسلمون، أن يكونوا في الصف الليبرالي، ويحرموا الشعبويين من سلاحهم بتخفيف مظاهر التدين المظهري، والتخفف من أثقال بلدانهم الأصلية، والاندماج أكثر، وأن يكون شعارهم: «بريطانيا أولاً». فإذا لم يفعلوا فسينتصر التطرف، وتموت الديمقراطية، ويتحولون إلى ضحايا.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...