خليل البطران
في 29 مايو 2025، شهدت دمشق حدثًا يُفترض أنه مفصلي في مسار إعادة تموضع سوريا إقليميًا: توقيع اتفاقية طاقة كبرى مع تحالف تقوده شركة “أورباكون” القطرية بمشاركة تركية وأمريكية، وبقيمة تتجاوز 7 مليارات دولار. وعلى الرغم من أهمية الحدث، لم تترك صور المراسم الرسمية الانطباع الإيجابي المتوقع. بل كانت محط استغرابٍ شديد، خصوصًا بين من يراقبون لغة الصورة والبروتوكول السياسي بدقة.
السبب؟ ظهور رئيس الجمهورية أحمد الشرع، واقفًا خلف الموقّعين، واضعًا يديه خلف ظهره، وكأنه ضيف أو موظف ثانوي، لا قائد دولة يستضيف تحالفًا دوليًا في قلب عاصمته.
هذه الصورة لم تكن زلّة عابرة. فقد تكررت في مشهد سابق مع توقيع اتفاقية مع شركة فرنسية لإدارة مرفأ اللاذقية (المرجّح أنها CMA CGM)، وفيها ظهر الرئيس أيضًا في وضع مشابه، غائبًا عن مركز المشهد، مغيّبًا عن رمزية القيادة، ومفتقرًا لأي دلالة على مكانة رئيس الدولة.
حين تصبح الأسئلة واجبًا وطنيًا
هنا، تبرز أسئلة مشروعة:
أين مستشارو الرئاسة المعنيون بالبروتوكول؟
هل الجهل بهذه التفاصيل هو المسيطر؟ أم أن هناك من يتعمّد تقويض مقام الرئاسة؟
هل ما يجري نتاج إهمال موظفين إداريين، أم خُبث مدسوسين يُحسنون ترتيب الانزلاقات الشكلية لتفريغ صورة الرئيس من مضمونها؟
في علم السياسة، لا تُبنى الهيبة بالخطابات فقط، بل تُؤسس عبر التفاصيل الصامتة: من لحظة الدخول إلى ترتيب الجلوس، ومن لون ربطة العنق إلى حركة اليدين وموقع التوقيع. هذه ليست كماليات، بل أدوات سيادية يستخدمها قادة العالم لبناء الرمزية الوطنية.
من زيلينسكي إلى الشرع: التشبيه لا يعني التطابق
لا بد أن نستحضر، ولو من باب المقارنة، ما حصل مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في بداية الحرب الروسية: وقف بين شعبه، بزيّ عسكري، فاحتضنته أوروبا وفتحت له منابرها، وكاد يُصوَّر كقائد تاريخي. لكن بعد شهور، بدأ التراجع في صورته، لأسباب سياسية وبصرية أيضًا. أصبح يُستقبل ببرود، وتعرّض للإقصاء الرمزي في بعض المناسبات.
المغزى؟ أن الصورة البروتوكولية ليست فقط مرايا للهيبة، بل أدوات صناعة موقف. وإن لم تُحسن استخدامها، تأكلك رمزيًا ولو بقيت واقعيًا على كرسي الرئاسة.
سوريا تحت المجهر… ومقام الرئيس ليس للعب
سوريا اليوم تعيد تشكيل نفسها. وهي بلد يمر بمرحلة ولادة سياسية مؤلمة، وسط ترقّب إقليمي ودولي. في مثل هذه اللحظات، يصبح الحفاظ على رمزية القيادة مسألة أمن سياسي، لا تجميل إعلامي.
ولهذا فإن تكرار مثل هذه الأخطاء يجب ألا يمرّ مرور الكرام. فالصورة البروتوكولية ليست عبثًا بصريًا، بل عنصرًا تأسيسيًا لبناء موقع الدولة وهيبة قائدها.
وإن كنا صادقين في دعمنا لمقام الرئاسة الجديد، وواعين لحجم التحديات، فإننا نملك كامل الحق — بل الواجب — في مساءلة من يرتّب هذه المشاهد: هل أنتم جاهلون بالبروتوكول؟ أم أن فيكم من يخدم أجندات تُريد تقزيم الصورة في أخطر مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى كل أدوات القوة المعنوية؟
الخاتمة: حماية الصورة من الداخل
إن أكبر تهديد للرئاسة لا يأتي من المعارضة أو الإعلام أو الخارج، بل من داخلها؛ من طاقم لا يفهم الرمزية، أو لا يريد أن يفهمها.
سوريا الجديدة تستحق رئاسة تليق بها، لا رئاسة يُدير مراسمها هواة أو مُندسّون.
والتفاصيل التي يُقال إنها صغيرة، هي غالبًا ما يُبنى عليها مجد الدول أو سقوطها.





