* الدّكتور عبد الله شنفار
ليس السرّ ما يُخفى فقط، بل ما يُدار بوصفه امتيازًا في المعرفة. ولذلك فإن أخطر ما يصيب السريّة ليس التسريب في ذاته؛ وإنما تحوّلها إلى مادة تداول جماهيري.
ففي اللحظة التي يخرج فيها أحدهم ليقول بثقة استعراضيّة: هذه معلومات “سريّة جدًا جدًا”؛ يكون قد كشف من حيث لا يدري أن ما بين يديه لم يعد يؤدي الوظيفة التي وُجد السرّ من أجلها أصلًا.
لأن السرّ، بالمعنى المؤسساتي الدقيق، لا يُقاس بمدى غرابة محتواه؛ بل بقدرة النظام الذي ينتجه على حصر تداوله داخل دائرة ضيقة ومحكومة.
ومن هنا لا يصبح السؤال الجوهري: هل هذه المعلومات صحيحة؟؛ بل: كيف وصلت أصلًا إلى هذا الفضاء العمومي المفتوح؟ ومن الذي سمح بانتقالها من أرشيف مغلق إلى شاشة هاتف؟ وهل نحن فعلًا أمام معرفة محظورة، أم أمام أداء رمزي لفكرة الحظر ذاتها؟ وإلاّ هل كان ضمن فريق العمل؟!
ذلك أن أغلب ما يُستهلك اليوم تحت عنوان “الأسرار الخطيرة” لا يكشف عن طبيعة السلطة بقدر ما يكشف عن تحوّل السريّة نفسها إلى سلعة ثقافيّة داخل اقتصاد الانتباه الرقمي.
– أولًا: السريّة بوصفها بنية لإدارة وتدبير السلطة والمعرفة:
1. من الأرشيف المغلق إلى هندسة الوصول
لم تنشأ السريّة السياسيّة من ميل مرضي لدى الدول إلى الإخفاء؛ بل من منطق بنيوي رافق تشكّل الدولة الحديثة ذاتها.
فمنذ أن بدأت البيروقراطيات المركزيّة في أوروبا وأمريكا بإعادة تنظيم المجال السيادي؛ صار التحكم في المعلومة جزءً من هندسة السلطة، لأن المعرفة لم تكن يومًا عنصرًا محايدًا داخل المجال السياسي، بل إحدى أدوات توزيع القوة وتحديد مراكز القرار.
لهذا لا تُعرَّف الوثيقة السريّة انطلاقًا من مضمونها فقط؛ وإنما من شروط الوصول إليها. فالتصنيفات الأمنية، من مستويات: سريّ ومكتوم… “Confidential” إلى “Top Secret” و“Secret Défense”؛ ليست أوصافًا لغوية أو صيغًا دراميّة، بل بنيات قانونيّة دقيقة تُبنى على أساس معادلة مركبة: من حيث حجم الضرر المحتمل، وطبيعة الجهة المتضررة، وعدد الأشخاص المسموح لهم بالاطلاع، ومستوى العقوبة المترتب على التسريب.
وبهذا المعنى، لا تُنتج الدولة السريّة باعتبارها غيابًا للمعلومة، بل باعتبارها تنظيمًا هرميًا للمعرفة.
إن كل تصنيف أمني هو في جوهره إعادة توزيع لحق الرؤية. ولذلك فكلما ارتفع مستوى السريّة، ضاقت دائرة العارفين، وتعقدت أنظمة الحفظ، وتشددت مراقبة التداول. فالوثيقة السريّة لا تستمد قيمتها من كونها “غامضة”، بل من كونها محاطة ببنية مؤسساتيّة كاملة تمنحها صفة الحجب.
غير أن التحول الرقمي أعاد تفكيك هذه البنية من الداخل. فالمعلومة التي كانت تُحفظ داخل خزائن سياديّة مغلقة أصبحت قابلة للاستنساخ والتداول اللامحدود خلال ثوانٍ.
وهنا لم تختفِ السريّة، بل تغيّر شكلها التاريخي. إذ تحولت من “تقنيّة حجب” إلى “تقنيّة إدارة وتدبير للمخاطر المعرفيّة”. فالدولة المعاصرة لم تعد تواجه فقط احتمال كشف السرّ؛ بل احتمال فقدان السيطرة على إيقاع انتشاره وتأويله.
2. السرّ بوصفه شكلًا من أشكال السيادة
لكن المسألة أعمق من مجرد حماية الوثائق. فالسرية في جوهرها ليست إجراءً إداريًا فحسب؛ بل طقس سيادي أيضًا. إذ لا تمارس السلطة هيمنتها عبر القوة المباشرة وحدها؛ بل عبر احتكار ما يجوز معرفته وما ينبغي أن يبقى خارج المجال العمومي.
ولذلك فإن كل نظام سياسي ينتج شكله الخاص من الإخفاء، مثلما ينتج منطقه الخاص في الكشف.
من هنا يمكن فهم لماذا لا يثير “السرّ” فضول الناس فحسب، بل يثير خيالهم أيضًا. فالإنسان لا ينجذب إلى المعلومة المحجوبة لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأنها تحمل وعدًا رمزيًا بالوصول إلى “ما وراء الظاهر”.
ولهذا ظل السرّ، عبر التاريخ، أحد أكثر أشكال السلطة قدرة على إنتاج الهيبة والغموض معًا.
– ثانيًا: حين يتحول السرّ إلى سلعة وإلى خيال تفسيري شامل
1. اقتصاد الانتباه وإعادة إنتاج هالة الغموض
غير أن السرّ ما إن يغادر مجاله المؤسساتي حتى يفقد جزءًا من بنيته الأصلية. فالمنصات الرقميّة لا تتعامل مع المعلومة بوصفها حقيقة تحتاج تحققًا، بل بوصفها أثرًا تداوليًا يُقاس بقدرته على جذب الانتباه وإثارة الانفعال.
وهكذا تتحول عبارة مثل “معلومات سريّة خطيرة جدًا” من توصيف قانوني إلى تقنيّة تسويق رمزي.
الأخطر من ذلك أن المجال الرقمي لم يعد يحتاج حتى إلى وثيقة حقيقيّة لكي ينتج أثر السرّ. لقد انتقلنا من اقتصاد “الوثيقة المسرّبة” إلى اقتصاد “هالة السريّة”. أي إن القيمة لم تعد في امتلاك المعلومة نفسها؛ بل في القدرة على تمثيلها بوصفها ممنوعة ومحجوبة وخارجة عن التداول الرسمي.
وهنا يحدث انقلاب عميق في بنية الشرعيّة المعرفيّة. ففي النظام المؤسساتي التقليدي، كانت شرعيّة المعلومة تُستمد من مصدرها ومن شروط التحقق منها. أما داخل المجال الرقمي، فقد أصبحت الشرعيّة تُنتج سرديًا؛ أي من قوّة الحكاية وفن الخطابة ومن يستطيع أن يلحن في الحج، وقدرتها على الإقناع العاطفي.
وبذلك ينتقل مركز الثقل من البرهان إلى الإثارة، ومن الوثيقة إلى الأداء الخطابي.
2. السرّ المشاع ونظريات المؤامرة
لكن هذا التحول لا يعكس فقط أزمة إعلامية، بل يكشف تحوّلًا أنثروبولوجيًا أعمق. فالمجتمعات التي تتآكل فيها الثقة بالمؤسسات تميل إلى إعادة تفسير العالم عبر البنى الخفية. وحين يعجز الواقع عن تقديم معنى متماسك، يصبح “السرّ” آلية تعويض رمزيّة تمنح الفوضى شكلًا يمكن احتماله.
لهذا لا تنتشر نظريات المؤامرة لأنها تقدم أدلة حاسمة دائمًا، بل لأنها توفر بنية تفسيريّة مريحة. إنها تمنح الإنسان شعورًا بأن خلف التشظي الظاهر عقلًا خفيًا يدير الأحداث.
ومن هنا يتحول التصنيف الأمني تدريجيًا من إجراء إداري إلى عقيدة تفسيريّة شاملة، بحيث تصبح كل أزمة عالمية دليلًا على “خطة سريّة” ما.
في هذه اللحظة تحديدًا، لا تعود السلطة قائمة فقط على احتكار المعلومات، بل على إدارة فائض السرديات نفسه.
فبدل أن تمنع الحقيقة، يصبح الأجدى أحيانًا إغراق المجال العمومي بكم هائل من المعلومات والتأويلات المتناقضة، بحيث يتحول العجز عن التمييز إلى شكل جديد من أشكال الإخفاء.
– ثالثًا: السرية في زمن الشفافية المفرطة
1. هل اختفى السرّ أم تغيّر شكل اختفائه؟
يبدو العالم المعاصر، لأول وهلة، وكأنه قضى نهائيًا على إمكانية الإخفاء. غير أن هذا الانطباع مضلل. فالسرية لا تختفي تاريخيًا؛ إنها تغيّر فقط شكل اختفائها. وكلما توسعت تقنيات الشفافية والمراقبة، ازدادت الحاجة إلى أنماط أكثر تعقيدًا من التحكم في المعرفة.
فالسرّ المعاصر لم يعد بالضرورة وثيقة محفوظة داخل خزنة فولاذية، بل قد يكون خوارزمية غير مرئيّة، أو نمطًا من معالجة البيانات، أو بنية تحليلية لا يراها الجمهور أصلًا. ولهذا فإن التركيز الشعبي المفرط على “الوثائق المسرّبة” قد يخفي تحولات أعمق تتعلق بانتقال السلطة من احتكار الأرشيف إلى احتكار البنية الرقمية ذاتها.
غير أن الإقرار بضرورة السرية لا يعني منح الشرعية المطلقة للغموض السلطوي. فالدولة الحديثة تواجه معضلة لا يمكن حلها نهائيًا: كيف تحمي أمنها الاستراتيجي دون أن تتحول السرية إلى ذريعة لتعليق المساءلة العمومية؟ وكيف تحافظ على التوازن بين مقتضيات الأمن وحق المجتمع في المعرفة؟
إن الديمقراطيات المعاصرة لم تنجح في تجاوز هذا التوتر، بل اكتفت بإدارته عبر مؤسسات الرقابة والقضاء والصحافة الاستقصائية. لأن المجتمع يحتاج قدرًا من السرية لكي تستمر الدولة، لكنه يحتاج أيضًا قدرًا من الشفافية لكي لا تتحول الدولة نفسها إلى بنية معتمة فوق المجتمع.
2. شروط التعامل مع الوثائق المصنفة وطرق التدمير الآمن للوثائق السريّة
يجب على من يتعامل معها: الحصول على تصريح أمني والتوقيع على عهد السريّة والتخزين في خزائن فولاذية آمنة التدمير بطرق معتمدة وكذا تسجيل كل عملية توزيع وعدم النسخ بدون تصريح مسبق وحظر النقل خارج المقر المعتمد.
أما بخصوص التدمير فيعتمد في التخلص من الوثائق السريّة على عدة طرق متخصصة حسب نوع المادة كما يلي:
* الحرق المراقب ويُستخدم لجميع أنواع الوثائق والمستندات الورقية، حيث تُحرق تماماً حتى تتحول إلى رماد لا يمكن استرجاع أي محتوى منها.
* التمزيق الفائق مخصص للوثائق الورقية، حيث تمرّ عبر معالج خاص يقطعها إلى قطع دقيقة جداً، تصغر بكثير عن حجم الحروف، مما يستحيل معه إعادة تجميع الوثيقة.
* عملية الطحن الصناعي يُطبق على الأقراص الصلبة والوسائط الرقمية، حيث يتم تكسيرها بآلات صناعية قوية لتدمير كامل البيانات المخزنة فيها بشكل نهائي.
* المغناطيس العالي ويُستخدم للوسائط المغناطيسيّة مثل الأشرطة والأقراص المغناطيسيّة القديمة، إذ يمحو جميع البيانات المسجلة عليها بالكامل دون أي أثر.
* عملية الدفن الآمن يتم بعد عمليات الحرق، حيث تُدفن النفايات والرماد المتبقية في مقالب معتمدة رسمياً وموثقة بسجلات دقيقة، مع التأكد من عدم إمكانية الوصول إليها.
كل طريقة من هذه الطرق تتطلب موظفين مدربين وشهود، وتوثيق دقيق لعملية التدمير بالكامل.
– الخبر كبنية متعددة الطبقات:
يمكن إعادة بناء مفهوم “الخبر الذي بحتمل الصدق والكذب” ضمن ثلاث طبقات تحليليّة:
1. طبقة واقعيّة: تتعلق بالحدث كما وقع (أو يُفترض أنه وقع).
2. طبقة إسناديّة: تتعلق بالمصدر وآليات التحقق.
3. طبقة تداوليّ: تتعلق بكيفية استهلاك الخبر داخل الفضاء العام.
إن الخلل المعاصر لا يقع في الطبقة الأولى، بل في انهيار الثانيّة لصالح الثالثة، حيث تتحول الإحالة إلى مصدر إلى بديل عن التحقق نفسه.
* خلاصة: السرّ بوصفه أزمة معرفة لا مجرد أزمة معلومات
ليست المشكلة اليوم أن العالم امتلأ بالأسرار، بل أن السرّ نفسه فقد حدوده القديمة. فما يُتداول يوميًا تحت عنوان “المعلومات الخطيرة” ليس دائمًا معرفة محظورة، بل غالبًا محاكاة رمزية لفكرة الحظر.
ولهذا فإن “السرّ الذي يعرفه الجميع” لا يكشف بالضرورة حقيقة مخفية، بل يكشف تحوّل السرية إلى جزء من اقتصاد الفرجة المعاصر.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا لم يعد: كيف تُخفي الدول أسرارها؟ بل: كيف يُعاد إنتاج معنى السرّ داخل عالم لم يعد فيه شيء قابلًا للاختفاء الكامل؟
فكلما اتسع نطاق الشفافية التقنيّة، ازدادت الحاجة إلى أشكال أكثر تعقيدًا من الإخفاء؛ لا عبر منع الوصول إلى المعلومة، بل عبر إغراق العالم بفيض لا نهائي من المعلومات، بحيث يصبح العجز عن التمييز شكلًا جديدًا من أشكال السريّة.
وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى للعصر الرقمي: لم يعد الخطر الحقيقي هو أن تُخفى الحقيقة عن الناس، بل أن تُستهلك داخل ضجيج لا يسمح أصلًا بإدراكها.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





