بلال التليدي
كاتب مغربي
تتحرك في المغرب العديد من الديناميات المتعارضة التي تسعى إلى التأثير في نتائج الاستحقاقات التشريعية القادمة، فيما يشبه معركة تستعمل فيها كل الأسلحة لفرض واقع لحد الآن لم تبرز ملامحه بشكل جيد، والظاهر فيه، تمهيد الطريق لفاعل جديد، يدخل رئاسة الحكومة.
المحيط الدولي والإقليمي والتحدي الوطني (ملف الصحراء)، يفرض تحديين متقابلين، فمن جهة، هناك مناخ مناهض للإسلاميين، لا يترك أي مساحة صغيرة للحكم للمناورة بوجودهم، فالاتفاق الثلاثي الذي أبرمه المغرب سنة 2020، وعلاقاته بدول الخليج، لاسيما الإمارات والسعودية، يعززان فكرة استبعاد الإسلاميين. لكن في المقابل، يرى البعض أن استحقاق الحكم الذاتي يفرض أن تكون هذه الانتخابات أكثر الاستحقاقات التشريعية نزاهة، أو على الأقل، أفضل من الانتخابات السابقة. وواقع الأمر، يقول بأن أي انتخابات ديمقراطية نزيهة، سيتصدرها الإسلاميون لا محالة، فالمغرب يعيش حالة فراغ في المشهد الحزبي، لا يملك فيها الإسلاميون من ينافسهم، وهذه معضلة تحيل إلى النقاش الذي كان سائدا في دوائر القرار السياسي الأمريكي غداة إطلاق مبادرة ترقية الديمقراطية بعد الحادي عشر من سبتمبر، حول إمكانية أن يشكل الإسلاميون المعتدلون مفتاح التحول السياسي في العالم العربي، فتم إنتاج عدد من الصيغ لإدماج الإسلاميين، أظهر الربيع العربي التحديات التي ترتبت عنها، فتم الاستعاضة عنها بالعودة لدعم «الشمولية»، وهو ما يعني أن المحيط الدولي والإقليمي، وإن كان ضاغطا في اتجاه ضرورة أن تعرف الاستحقاقات الانتخابية مستوى غير معيب من الديمقراطية، فإنه في المقابل، لن يكون ممانعا لإزاحة الإسلاميين، بل ربما يكون داعما لذلك، دون أن يؤثر ذلك على التحدي الوطني، على الأقل في التقدير الأمريكي وحتى الأوروبي.
الديناميات الداخلية تحكمها أربعة اتجاهات، الأول حزبي، يظهر فيه هيمنة كلية لخطاب الإسلاميين المعارض لحكومة أخنوش، والمركز بشكل أساسي على فكرة غلاء الأسعار، وتضارب المصالح، واستحكام لوبيات رجال الأعمال التابعة لأحزاب التحالف الحكومي، خاصة حزب التجمع الوطني للأحرار، وذلك في ظل ضعف المنافسة الحزبية، وحصول حالة فراغ، لا تقيم التوازن ضمنها سوى حملات إعلامية وصلت مستويات عالية من الحقد وتعالي نبرات الاستئصال السياسي. فواقع الحال يبين بأن الذي يواجه حزب العدالة والتنمية ليس الأحزاب، وإنما لوبي إعلامي ممتد في كل وسائل التواصل الاجتماعي.
في الاتجاه الثاني، ثمة تسريبات منسوبة لمجموعة «جبروت» التي لحد الآن لا أحد يعرف هويتها ومن يقوم عليها، تنشر في كل لحظة معطيات تتجه رسالتها إلى تدمير سياسي لبعض الرموز، وقد طالت في الأيام القليلة الماضية رمزين من حزب الاستقلال، هما الأمين العام نزار بركة، وأحد أعيان الصحراء النافذين في الحزب، وهو حمدي ولد الرشيد. هذه المجموعة شنت حملات ضد زعيم الإسلاميين عبد الإله بن كيران، وقبل ذلك طالت تسريباتها قيادات في الأصالة والمعاصرة، مثل وزير العدل، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، عبد اللطيف وهبي، والسيدة وزيرة الإسكان فاطمة المنصوري، ووزير الميزانية السيد فوزي لقجع، ولم تطل لحد الآن تسريباتها أي قيادة من قيادات التجمع الوطني للأحرار.
في الاتجاه الثالث، يبدو خروج رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش من المشهد السياسي المقبل، بعد إعلانه عن مغادرة موقعه كأمين عام في التجمع الوطني للأحرار، فيه أكثر من رسالة، خاصة وأن الصفة القيادية والكارزمية لخلفه المنتخب، محمد الشوكي، لا ترمز بشيء ذي بال على مستوى إمكان الاستمرارية.
في الاتجاه الرابع، هناك تسريبات استهدفت وزير الداخلية السيد عبد الواحد لفتيت نفسه، في الوقت الذي أقر هذا الوزير زيادات مهمة في رواتب الجهاز الإداري والترابي.
هذه الديناميات المتعارضة، وسط مناخ اقتصادي واجتماعي متردد، يسمح باستنتاج خلاصة مهمة، وهي أن حالة الغموض هي السائدة، وأن الظاهر فيها فقط إرادة إزاحة الإسلاميين، ورفض جهات ما في مربع القرار لأن يكون حزب الاستقلال هو البديل، ووجود ارتباك على مستوى الحسم فيمن يقود الحكومة، الأحرار، أم الأصالة والمعاصرة.
وقائع الحملات الإعلامية الشرسة ضد العدالة والتنمية والتي وصلت حد الحقد ونشر خطاب الاستئصال تقول بأن سيناريو الإزاحة هو المرتقب، وخطاب الإسلاميين، وإن كان يبشر بإمكان تصدر المشهد ورئاسة الحكومة، يطرح لا يستبعد هذه الإمكانية، بل يطمئن بأنه مستعد للتعامل معها، فقد صرح الأمين العام للعدالة والتنمية السيد عبد الإله بن كيران، بأن مؤشرات التنافس السياسي تقول بأن حزبه هو الذي سيتصدر الاستحقاقات التشريعية وأنه مرن، وسيقبل أن يعين الملك منه أي قيادي لرئاسة الحكومة ولو لم يكن الأمين العام للحزب، لكن المعطيات السياسية والتقنية – يضيف ابن كيران- قد تقول شيئا آخر، معتبرا أن هذا هو المغرب، وأنه ينبغي التعامل معه كما هو.
استهداف قيادات الاستقلال تعني وجود رفض ما داخل مربع القرار لأن يكون هذا الحزب هو البديل، بينما يقرأ استهداف بعض قيادات الأصالة والمعاصرة على أساس أنه مجرد إخلاء خصوم لتبرير الحاجة لبدائل قادمة. أما خروج عزيز أخنوش من المشهد، فمعناه إما وعي مبكر بخصوصية المحطة، أو توجيه لخلاء المكان، وعدم الاضطلاع بأي دور في التأثير في رقعة القرار، وتوفير أفضل الفرص لخيار ربما يتجهز، بما يعني عدم الزج بالحزب في مربع الاحتكاك.
لا يفهم بشكل جيد استهداف وزير الداخلية من قبل مجموعة «جبروت»، وهل لها علاقة بالاستحقاق الانتخابي، لكن قد يكون للأمر علاقة بحالة التردد في السيناريو القادم، وممارسة جهة ما لضغوط عليه، لعدم الميل لهذا الاتجاه أو ذاك بما يشوش على الخيارات القادمة.
تقديري، أن هذه الديناميات المتعارضة، والتي تفرض حالة من الغموض، لا وضوح فيها سوى إزاحة الإسلاميين، أن هناك شعورا بوجود فراغ قاتل، وأن الحملات الإعلامية التي تنشر الحقد والاستئصال، هي مجرد ملء المكان، أو ربما ملء مساحة من الوقت، ليتمهد الطريق لقادم ما في الطريق، يوفر الإمكانية لمرحلة انتقالية، ما بين حكومة يراد ألا يكون العدالة والتنمية من يركب على مفاسد سياستها، ومرحلة أخرى، تحصل فيها متغيرات كثيرة، منها على الأقل أن يحصل تحول في البنية القادية للإسلاميين، وأن تقل حدة الفراغ وغياب المنافس، وأن تنسى فيها عيوب حكومة لوليات الأعمال، وربما يكون القصد أن تكون الجهة التي ستحمل المسؤولية الحكومية، ومن ثمة مسؤولية اغتنام فرص تنظيم كأس العالم، تحظى بثقة أكبر من دوائر القرار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





