عبد النبي بزازـ المغرب
تزخر مجموعة ” غياهب الوجع ” الشعرية للشاعر المغربي نور الدين طاهري بميزات إبداعية عديدة من حيث العناصر و” التيمات ” مما يصعب معه الإحاطة بها ومقاربتها لذلك سنقتصر على الوقوف عند بعضها .
ولعل ما يطبع جل نصوص المجموعة هو النزعة المجازية والتي تتضح معالمها منذ النص الأول ” ظل في الخفاء ” حيث نقرأ : ” وتناثر الوقت على زجاج الساعات … ” ص 5، إلى آخر نص ” حين يسألك الغياب ” : ” سأظل أكتبك في حروفي ، أبني لك وطنا في بياض الورق … ” ص 124، فالوقت كزمن يتفرق ويتوزع على زجاج الساعات ، بحيث ترتبط الساعات بالزجاج ، استعاريا ، وما يرمز إليه ، أي الزجاج ، من صفاء وشفافية تضفي على الزمن / الساعات صفة الانكشاف والتجلي ؛ وتدوين اسم المرأة في شتى أبعادها وتمظهراتها الرمزية والدلالية في الحروف ، بل وتشييد وطن خاص بها في ثنايا بياض الورق ، وما يضمره ذلك من معاني منفتحة على شتى أنواع القراءة والتأويل .
فالأسلوب المجازي يتكرر ، ويشيع في مقاطع الديوان ، في مثل : ” أجمع ظلي من شوارع منسية ” ص 5، وهو استعمال غني بحمولاته الجمالية ، وأبعاده الدلالية، في موازاة مع قوله : ” أطارد ظلي بين أروقة النسيان … ” ص 20، في إعادة كلمة ( ظل) ، و ( نسيان) / منسية ، وشوارع / أروقة . وما تحبل به من معاني ذات إيحاءات وإشارات لا يعوزها العمق الدلالي ، والبعد الرمزي . ويأخذ التعبير المجازي مناحي متعددة بما يحفره من أخاديد ومجاري متنوعة داخل المتن الشعري من خلال ما يرسمه من لوحات جمالية وفنية تتوزع بين الصور : ” أجمع شظايا الأمل من عواصف الحزن … ” ص43، لا تخلو من تشبيه : ” يتدفق الزمن كالماء بين أصابعي … ” ص 59 ، واستعمالات مثل : ” وأغزل من نثار الحنين وشاحا أدثر به روحي الباردة . ص81 ، فتعبير غزل من مادة (نثار الحنين ) لوشاح يقي الروح من البرودة بما يبعثه فيها من دفء ، وخلق أساليب أخرى مختلفة وغير مألوفة تستحضر وتنفتح على عناصر طبيعية وكونية كالسماء والأرض : ” السماء فوقي تلبس لونها الرمادي ، والأرض تسألني عن أثر خطواتي … ” ص 9، فإن اقتصر توظيف السماء بوصفها ، فإن الأرض اجترحت فعل السؤال ، وذكر النجوم : ” أحاكي النجوم التي أطفأها الملل والتعب … ” ص11، فمحاكاة النجوم يحفل بالعديد من الأبعاد الدلالية والرمزية ، والتعبير عما أصابها من تعب وملل أخمد نورها ، وطمس توهجها ، والرمل والموج الذي يمحو خطوات الشاعر المرسومة فوق الرمل : ” أكتب في الرمل خطواتي ، يمحوها الموج بلا رحمة … ” ص 25، انفتاح يتطور لإرساء جسور تواصل يسأل من خلاله الغيوم : ” وأسأل الغيوم عن مصيري ، ثم تبتعد . ” ص 18، ليظل مصير الشاعر معلقا ومجهولا حين لم يَلْقَ جوابا من غيوم نأت وابتعدت . وينتقل السؤال إلى السماء التي تتكفل بطرحه : ” السماء تنظر إلي بعينين غائمتين ، وتسألني عن الطريق الذي اخترته . ” ص 21، مما يضفي على السؤال صبغة التحول والانتقال ، وينأى به عن طبيعة الثبات والركون .
وعلى مستوى الإيقاع فلم تخل نصوص المجموعة ، التي طغى عليها الطابع النثري ، من إيقاع انتظم خارجيا في قافية الراء والياء كما في نص ” الوتر الحساس ” : ” في مداري … الغبار … ناري ” ص 94، واللام المشبعة في : ” ليل طويل … كأس ثقيل … دوامة المستحيل ؟ ” ص94 ، والواو والكاف في : ” أرجوك … في شكوك … في شروك . ” ص94، فضلا عما خلقه حرف السين من نبرة موسيقية عبر تكراره : ” لا تلعبي على الوتر الحساس ، ففيه من السكون ما يفوق القياس … أحمل في تجويفي صدى الأنفاس. ” ص94. وفي نص ” أصفاد الأقدار “حيث يعمد الشاعر، في تنويع لافت ، إلى استعمال نظام الشطرين المختوم بقافية مُشَكْلة من الألف والدال ينتهي بها الشطر الثاني : ” أصفاد، تتقاد ، تنقاد ، أبعاد ، زاد ، شداد ، الباد ،الساد ، ميعاد ” ص110، وغير بعيد عما هو مجازي يحضر التشبيه في مقاطع الديوان بغزارة واطراد في تساوق وتجاذب مع الصور الشعرية ، وجمالية التعابير وهو ما يطالعنا من أول نص ” ظل الخفاء ” : ” كقطرة ماء هاربة من غيمة تائهة . ” ص5، وفي : ” رأيت وجعي يتساقط كأوراق خريف … ” ص7، إلى نصوصه الأخيرة مثل ما ورد في ” وهم ” من تشبيه : ” رأيتني ُأُطاَرد كأثر خطوة … ” ص114، وهو ما نَوَّع من مجازية المدونة الشعرية ، ووسع آفاقها الجمالية ، وامتداداتها التعبيرية .
وكما أشرنا إلى ذلك سالفا فإن مجموعة ” غياهب الوجع غنية بتعابيرها المجازية ، وعناصرها البلاغية والإيقاعية والتي اكتفينا بالتمثيل لبعضها لننتقل إلى ما تحفل به من ” تيما ت ” من قبيل الأمل الذي خاتلت إحساساته الشاعر ، وناوشت ذاكرته ووجدانه : ” وأنا أفتش بين الظلال عن إشراقة الأمل . ” ص 53، بدءا بالبحث والتفتيش عن إشراقته إلى تواريه وتلاشيه : ” السماء تتحلى بألوان زاهية ، تخبرني أن الأمل يتلاشى … ” ص 55، ولَمّ أشلائه وبقاياه : ” أجمع من حولي بقايا الأمل … ” ص 65، في انتظار بصيص رجاء قد تنقشع عنه غيوم ترقب مؤثر ومكلف : ” وأنتظر بصيصا من الرجاء . ” ص 66، دون إخفاء الحاجة الملحة لأمل يبدد جحافل الضياع ، ويضيء غياهب الحيرة : ” أحتاج إلى أمل يعيد لي الطريق … ” ص 74، والأحلام التي تلقي بوزرها وكلكلها على فؤاد الشاعر وذهنه : ” تتراكم الأحلام في زوايا القلب ، كل حلم يحمل عبء الانتظارات … ” ص 65، وما يسكنها من هواجس التطلع نحو أفق انتظار زاخر بحمولات من احتمالات ترفع منسوب الحيرة والهم والقلق لتتساقط تباعا كما عبر عن ذلك : ” تتساقط الأحلام كأوراق ميتة … ” ص63 ، وما يفتأ الأمل يتداخل بالحلم وتتشابك خيوطهما وتتواشج : ” تتداخل خيوط الأمل في نسيج الروح ، كل خيط يحمل حلما مفقودا …” ص 67 . وموضوع القومية العربية ، وما يخترمها من أعطاب واختلالات تجسدها معاناة الشعب الفلسطيني من مظاهر التقتيل والتنكيل، وما ينجم عن ذلك من مآسي تطال كل فئاته وخصوصا الأطفال : ” فلسطين لا تشكو ، لا تئن تحت وطأة الخراب … الأطفال ينظرون إلى السماء ، تائهين في صمت الرجاء المفقود … ” ص 96، فلم يعد هناك إحساس بالألم بعد استنفاد الطاقة على التحمل ، والتي غدت وتحولت إلى طقس يومي ، فارتفعت عيون الصغار إلى السماء أملا في انفراج قادم تجود به القدرة الإلهية للقطع مع مرحلة اليأس والأسى ، والانخراط في حياة يعمها الأمن والأمان . وضع لا يختلف كثيرا عما تعيشه لبنان الغارقة هي أيضا في دوامة الظلم والعدوان : ” لبنان تناديك، وفلسطين تنزف من شريان العدم . “ص111، وكشف حقيقة ما تتخبط فيه الوحد ة العربية من تشرذم ، وفرقة وانشقاق : ” أيتها العروبة ، يا من تسافرين في قوارب الأوهام … بيروت تغتسل بدموعها والقدس تسامر السماء …” ص 112، بينما يكتفي العرب في ترديد الشعارات الزائفة والكلمات الممجوجة : ” هل تعيد الكلمات الأرض لأصحابها أم أن الحلم يتلاشى كزهرة لا تنبت في صحراء النسيان ؟ ” ص 111، ليظل الأمل معلقا على حبل من أسئلة : ” يا أهل العروبة ، متى تعود الشجاعة ؟ متى تزهر حقول الزيتون من عبق الأحلام المجهضة ؟ متى تولد الحرية من رحم المعاناة التي نخرت جذورنا ؟ ” ص 112 ، قد تعيد الأوضاع إلى نصابها بتحقيق انعتاق منشود من ربقة الجور والطغيان ، واسترجاع حقوق مسلوبة ظلما وعدوانا . ومن ضمن التيمات التي تزخر بها المجموعة تيمة الهجرة المتأرجحة بين أرض الوطن ممثلة في مدينة بركان ، وبلاد المهجر في بروكسيل البلجيكية : ” بروكسيل ، أيتها المدينة التي فتحت لي نوافذ الغيم ، وأهدتني لغة المطر … وبركان ، يا أول نبض عرفه الفؤاد ، ياذاكرة الزيتون والبرتقال … ” ص 119، نزعة جوانية نبضت بها مشاعره ، وامتزجت بألياف فؤاده ، حيث غدا لبروكسيل وبركان عشق راسخ في القلب والذاكرة فاكتملتا واندغمتا في بوتقة من تواشج وانصهار ، وأكملتا فصول تماه شامخ لن يمسه أي تصدع ، ولن يناله أي ميول أو انحياز أو مفاضلة : ” لا أميل إلى ضفة دون أخرى ، ولا أنزع قلبي عن حب أوحد . بروكسيل ، يا أم الشتات ، وبركان يا حضن الحنين … ” ص 120.
ف ” غياهب الوجع ” مجموعة شعرية موسومة بالغنى والعمق والغزارة على المستوى المجازي الذي أفرز أشكالا جمالية تؤثثها عناصر بلاغية وإيقاعية دالة ومعبرة ، و” تيمات ” متنوعة أضفت على المتن الشعري زخما إبداعيا جنبه مغبة السقوط في مغبة النمطية والاتباع لما انتهجه من أساليب وأنماط كرست إواليات تجربة شعرية ترهص بالتغيير والتبدل والتجديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ غياهب الوجع ( شعر ) نور الدين طاهري .
ــ منشورات النورس مطبعة دار القلم الرباط 2025 .





