موجة الهجرة إلى سبتة تكشف القنبلة الاجتماعية في المغرب.. ثلاثة ملايين شاب بين 15 و29 سنة خارج التعليم والعمل والتكوين
لم تكن صور عشرات الآلاف من المهاجرين وهم يتدفقون نحو مدينة سبتة المحتلة مجرد فصل جديد من أزمة حدودية عابرة، بل بدت مرآة قاسية لوضع جيل مغربي كامل يبحث خارج بلاده عن “فردوس مفقود” يتصوره في أوروبا.
وفق الأرقام الرسمية الإسبانية، دخل نحو 50 ألف شخص إلى المدينة خلال موجة العبور الأخيرة، بينهم أكثر من سبعة آلاف قاصر، فيما تشير تقديرات أولية، استنادا إلى الصور ومقاطع الفيديو الواردة من سبتة، إلى أن أكثر من 60 في المائة من الوافدين تقل أعمارهم عن 25 سنة، وهي نسبة تعكس الحضور الطاغي لفئة شابة اندفعت نحو المجهول، سباحة أو عبر المعابر والحواجز، مدفوعة بتصور جاهز يرى في أوروبا حياة أفضل وفرصا أوسع ومستقبلا أكثر استقرارا.
وخلف هذه المشاهد يبرز سؤال يتجاوز تدبير الحدود والإجراءات الأمنية: لماذا وصل آلاف الشباب إلى مرحلة يفضلون فيها المخاطرة بحياتهم على الاستمرار داخل بلدهم؟
في تشريح للوضع، ووفق الأرقام الرسمية المغربية، فحوالي ثلاثة ملايين شاب مغربي ما بين 15 سنة و29 سنة غادر أقسام الدراسة مبكرا، أو أنهى تعليمه من دون مؤهلات تفتح أمامه أبواب سوق الشغل، ليجد نفسه خارج التعليم والتكوين والعمل، ومن دون مسار واضح للاندماج الاجتماعي.
هذه المعطيات هي نتيجة لا يمكن فصلها عن فشل الحكومات المتعاقبة في الحد من الهدر المدرسي، وتتبع المنقطعين عن الدراسة، وتوفير تكوين عملي ينسجم مع حاجات الاقتصاد، وفتح آفاق تمنح الشباب استقرارا نفسيا ورؤية واضحة لمستقبلهم.
هؤلاء الشاب لا يحتاجون فقط إلى وظيفة، بل إلى مدرسة لا تلفظه بسهولة، ومؤسسات تواكبه بعد التعثر، وتكوين يوسع وعيه بقدراته وخياراته ومكانه داخل المجتمع، ومن هنا، لا تبدو أزمة سبتة مجرد موجة هجرة، بل إنذارا اجتماعيا يعكس فقدان جزء واسع من الشباب الثقة في إمكان بناء حياة كريمة داخل وطنه.
أرقام مهولة لشباب ليس لديه ما يفعله بحياته!
يكشف تقرير رسمي للمندوبية السامية للتخطيط أن 2.9 ملايين مغربي تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة لا يشتغلون، ولا يتابعون دراستهم، ولا يستفيدون من أي تكوين مهني، وبذلك يوجد نحو شاب من كل ثلاثة ضمن فئة تعرف دوليا باسم “NEET”، أي خارج منظومات التعليم والتكوين وسوق الشغل في الوقت نفسه.
هذا الرقم لا يمثل مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل يعكس أزمة اجتماعية متراكمة يمكن أن تتحول إلى قنبلة موقوتة، فالأمر يتعلق بملايين الشباب الذين كان يفترض أن يشكلوا القوة المنتجة للمغرب، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج المدرسة وخارج سوق الشغل، من دون مسار واضح للاندماج أو أجهزة عمومية قادرة على رصدهم ومواكبتهم وإعادتهم إلى التعليم أو التكوين.
ولا ينبغي، مع ذلك، اختزال هؤلاء في صورة شباب “تائهين في الشوارع”، لأن التقرير يكشف تركيبة أكثر تعقيدا، فهناك نحو 72 في المائة منهم نساء، فيما لا يتوفر قرابة ثلاثة أرباعهم على أي دبلوم مؤهل، ويبلغ نصفهم تقريبا ما بين 25 و29 سنة، كما أن قسما كبيرا منهم لا يصنف ضمن العاطلين الباحثين بنشاط عن العمل، بل يوجد خارج سوق الشغل كليا، بعد أن فقد الأمل أو حاصرته قيود اجتماعية وأسرية ومجالية.
لكن هذه التفاصيل لا تخفف من خطورة الوضع، بل تكشف اتساع مسؤولية الدولة والحكومات المتعاقبة. في هذه النتيجة، فحين يغادر الشاب المدرسة مبكرا، ثم لا يجد تكوينا مهنيا مرنا ولا خدمة عمومية تلاحقه لاستعادته، قبل أن يصطدم بسوق شغل محدود وهش، فإن الفشل لا يعود فرديا، بل يصبح نتيجة تلقائية لسياسات التعليم والتشغيل والإدماج الاجتماعي.
ويبرز المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إحدى بوابات هذه الأزمة، إذ تشير معطياته إلى أن نحو 331 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنويا، خصوصا في مرحلة الانتقال بين التعليم الإعدادي والثانوي التأهيلي.
ويربط المجلس ذلك بالرسوب، وصعوبة الوصول إلى المؤسسات التعليمية، خاصة في الوسط القروي، وضعف عروض التكوين المهني، إلى جانب الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والعائلية.
بمعنى آخر، لا يوفر النظام التعليمي دائما آليات كافية لاستدراك المتعثرين، بل كثيرا ما تتحول نقطة ضعف دراسية أو رسوب متكرر إلى خروج نهائي من المدرسة، وبعد المغادرة، ينقطع أثر التلميذ عن الإدارة، فلا نظام وطني فعّال يتابع مساره، ولا مؤسسة تتولى توجيهه إلزاميا نحو التكوين أو التدريب أو فرصة ثانية حقيقية، وهكذا تتحول المدرسة، التي يفترض أن تكون أداة للترقي الاجتماعي، إلى أول محطة في مسار الإقصاء.
ويؤكد تطور بطالة الشباب خلال السنوات الأربع الماضية أن المشكلة تتجه نحو التفاقم، فقد بلغ معدل البطالة لدى الفئة المتراوحة أعمارها بين 15 و24 سنة 32.7 في المائة سنة 2022، ثم ارتفع إلى 35.8 في المائة سنة 2023، ووصل إلى 36.7 في المائة سنة 2024، قبل أن يصعد إلى 37.2 في المائة سنة 2025، أي إن أكثر من ثلث الشباب الموجودين داخل سوق الشغل والراغبين في العمل لا يجدون وظيفة، رغم تعدد البرامج الحكومية والشعارات المتعلقة بإنعاش التشغيل.
الأكثر إثارة للقلق أن المشكلة تشمل حتى الحاصلين على شهادات عليا، فقد سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة من أصحاب الشهادات العليا بلغ 61.2 في المائة، وأن 70 في المائة من الشباب العاطلين يعانون بطالة طويلة الأمد، بينما لم يسبق لنحو 73 في المائة منهم أن اشتغلوا، كما أقر المجلس بأن تعدد برامج “أنابيك” و”أوراش” و”فرصة” و”أنا مقاول” وغيرها لم ينجح في تحقيق الالتقائية والأثر المطلوبين.
لذلك لا تكمن المشكلة في غياب أسماء البرامج، بل في طابعها المتفرق والموسمي، وضعف تتبع المستفيدين وقياس النتائج.
تتغير الحكومات.. والنتيجة واحد “الفشل”
تتغير الحكومات والوزراء، وتطلق المنصات والمبادرات، لكن مئات الآلاف من الشباب يتساقطون سنويا بين المدرسة والتكوين والعمل، من دون أن تتحمل جهة واحدة المسؤولية الكاملة عن إعادتهم إلى مسار الاندماج.
وتزداد المفارقة وضوحا عند مقارنة هذه الأرقام بصورة الاقتصاد الكلي، فقد أكد والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، أمام الملك محمد السادس في 20 يوليوز الجاري، أن الاقتصاد الوطني حقق خلال سنة 2025 نموا بلغ 4.9 في المائة، مدعوما بمجهود استثماري كبير، لكنه أقر بأن تحسن النمو لم يكن كافيا لإحداث انخفاض ملموس في البطالة، التي بقيت عند 13 في المائة، مشيرا إلى وجود فجوة بين الأداء الاقتصادي المقاس وانطباع المواطنين، وإلى ضرورة توزيع أفضل لثمار النمو وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
هذه الفجوة هي جوهر الأزمة المغربية، فالاقتصاد ينمو، والاستثمارات والمنشآت تتوسع، لكن التنمية لا تصل بالقدر نفسه إلى الأسر والشباب والمناطق الهشة، وحين يجتمع الإقصاء الاقتصادي مع أزمة الثقة في المؤسسات وضعف المشاركة، يصبح الشعور بانسداد الأفق أكثر خطورة.
في هذا السياق، سجل تقرير حديث للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، انطلاقا من تعبيرات الشباب أنفسهم، وجود شعور بأزمة ثقة تجاه المؤسسات وتساؤلات حول المشاركة المواطنة والتمثيلية داخل دوائر القرار.
وفق العديد من المراقبين، المغرب لا يفتقر إلى الموارد أو المؤهلات أو التاريخ أو القدرة على الاستثمار، لكنه يواجه خطرا حقيقيا يتمثل في تبديد رأسماله البشري، وإنقاذ ثلاثة ملايين شاب لا يحتاج إلى برنامج دعائي جديد، بل إلى سياسة دولة ملزمة تبدأ بمنع الانقطاع المدرسي، وفرض التتبع الفردي لكل من يغادر الدراسة، وتوسيع مدارس الفرصة الثانية، وربط التكوين بحاجات الاقتصاد المحلي، وإشراك المقاولات، وضمان فضاءات المشاركة والحقوق والكرامة.
والشباب ليسوا عبئا على الدولة، بل إن عجز الدولة عن تعليمهم وتكوينهم وإدماجهم هو الذي يحولهم إلى كتلة غاضبة ومحاصرة، واستمرار الوضع يعني خسارة جيل كامل، وإضعاف الاقتصاد، وتوسيع الهجرة واليأس والهشاشة، وهي كلفة ستتجاوز بكثير ما كان يلزم لإنقاذهم منذ البداية.
المصدر: الصحيفة





