ردّاً على معن البياري: ليست “حماس” من “انقلبت” 2007

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أسامة أبو ارشيد
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في واشنطن

 

 

في التحليل السياسي ثمَّةَ أوَّليات ينبغي أن تُراعى وتكون حاضرة. من ذلك، ضرورة أن تكون هناك مسافة فاصلة بين المعطيات الموضوعية والمعلومات المُحَقَّقَةِ والمُوَثَّقَةِ، وبين التحيّز والقناعات المسبقة والموقف السياسي. أيضاً، لا بد لمن يُكَلِّفُ نفسه عناء خوض غمار مسألة ما في التحليل السياسي أن يكون مستوعباً لها، عارفاً بخلفياتها، وتفاصيلها، وسياقاتها، وعناصرها، وديناميكيّاتها. واستطراداً، يتجنّب “المحلل السياسي الموضوعي” القطعيات في اللغة والبديهيات في الافتراضات وترتيب النتائج، من دون سند معلوماتيٍّ متماسك، اللهم إلا إذا كان يعبر عن تحيزٍ وموقفٍ مسبق، وهذا حقٌّ لصاحبه (كلنا يمارس ذلك من حين إلى آخر)، ولكن مقالته حينئذ تُدْرَجُ في سياق الموقف المنحاز، لا في سياق التحليل الموضوعيِّ المتماسك.

ما جرى يوم 14 يونيو 2007، كان محاولة انقلاب من السلطة الفلسطينية وحركة فتح على حكم “حماس” القانونيّ والشرعيّ،

داعي المقدِّمَةِ السابقة مقال لرئيس تحرير صحيفة “العربي الجديد”، الصديق معن البياري، نشر في الصحيفة (20 يونيو / حزيران 2025)، بعنوان “في ذكرى انقلاب حماس”، أحسب أنه لم يستوفِّ شروط الموضوعية، وربما لم يتحرّر من سطوة الموقف المسبق، وهو ما غَيَّبَ، في ظنَّ صاحب هذه السطور، المعطيات والحقائق. يستهل البياري مقاله “سمّت حركة حماس اكتمال سيطرتها على المقارّ الأمنية والمدنيّة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزّة يوم 14 يونيو/ حزيران 2007 “حسماً عسكرياً”، بعد اشتباكاتٍ مسلحةٍ، متقطّعةٍ أولاً، ثم في معارك عنيفةٍ قتاليةٍ مع عمليات خطفٍ واغتيالاتٍ، فيما يتبنّى العنوان أعلاه تسميتَه انقلاباً (بلا قوسين)”. ويتابع البياري “ولا يُتذكّر هنا ذلك الحدث بمناسبة اكتمال 18 عاماً عليه الأسبوع الجاري فقط، وهذه غواية الصحافة التي نُزاولها، وإنما أيضاً لإطلالةٍ عليه في لحظة الكارثة التي يُغالبها أهل غزّة بفعل حرب الإبادة الجارية… غير أن أي التفاتةٍ إلى هناك لا يجوز، في أي حال، أن تتورّط في المغالطة الذائعة، أن الذي جرى، ثم الانقسام المخزي والمديد، كانا بسبب رؤيتيْن تصادمتا، واحدةٍ استسلاميةٍ مفرّطةٍ عنوانُها الارتهانُ لمتطلّبات اتفاق أوسلو وتوابعه، وتعبّر عنه السلطة ممثلةً برئاسة محمود عبّاس والقيادة النافذة في حركة فتح ومنظمّة التحرير، فيما الأخرى تُرابط على المقاومة ضد الاحتلال بكل الوسائل، وتنهج هذا وترفض أي خيار آخر”. ثمَّ يقرر البياري “هذا غير صحيح، ليس فقط لأن بيان رئيس الحكومة التي نتجت عن انتخابات المجلس التشريعي، إسماعيل هنيّة، ونال عليه ثقة هذا المجلس (مارس/ آذار 2006)، أكّد أن هذه الحكومة ستتعامل مع الاتفاقيات التي وقعتها منظّمة التحرير والسلطة “بمسؤوليةٍ وطنيةٍ عليا، وبما يخدم مصالح شعبنا وحقوقه الثابتة”. وإنما أيضاً لأن بواعث النزاع المسلّح ذاك لم تكن أبداً انبطاحَ طرفٍ في السلام والاستسلام وتمنطُق الطرف الآخر البواريد لمناطحة إسرائيل، بل هو الخلاف الذي احتدّ وامتدّ بشأن أيٍّ من الجانبين له سلطة الولاية على الأجهزة الأمنية، بعد سجالٍ غير منسيٍّ على مشروعيّة تشكيل وزير الداخلية في الحكومة، سعيد صيام (حماس) ما سمّاها “قوة تنفيذية” من عناصر كتائب الشهيد عزّ الدين القسّام. هذا هو الأصل والفصل في القصة كلها. إنه النزوعُ إلى هيمنة القوّة المسلّحة لدى “حماس” على القرار الأمني، بكل تفاصيله، في القطاع، فيما استشعر الفتحاويون هناك خطراً داهماً عليهم من هذا الحال، وكانوا أقلّ مقدرةً على “الحسم”، فأحرزه أولئك في “انقلابٍ” لا اسم له غير هذا الاسم”.

لا يسعى هذا المقال إلى مناقشة كل قضية وجزئية في خلاف حركتيْ حماس وفتح، ولا إلى الدخول في معركة من هو “المقاوم” ومن “هو المنبطح” بينهما، ولا ما إذا كانت “حماس” مارست حكماً رشيداً أم لا، ولا حتى ما إذا كانت مسؤولة أم لا عن حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة واستدامتها إلى قرابة العامين. إنما سيحصر هذا المقال النقاش في مسألة من انقلب على من. وعلى عكس البياري، فإنني أقرّر مسبقاً أن “فتح” هي من حاولت الانقلاب على “حماس” في جسم السلطة الفلسطينية وهياكلها منذ عام 2006، عندما فازت “حماس” بالانتخابات التشريعية الفلسطينية. ولا ألقي الكلام هنا على عواهنه، وإنَّما بناء على معلومات ومعطيات مُحَقَّقَةٍ وموثَّقةٍ.

صمود “حماس” في الحكم دفع بإدارة بوش لمحاولة هندسة انقلاب على حكومتها

نعود إلى مسألة “انقلاب” حركة حماس المزعوم، وأضع كلمة “الانقلاب” هنا بين قوسين مخالفاً ما ذهب إليه البياري في مقاله. بعد تشكيل “حماس” حكومتها الأولى، عام 2006، قطعت الولايات المتحدة علاقاتها معها، ثمَّ حصرت تعاطيها بمؤسسة الرئاسة الفلسطينية، بزعامة، الرئيس محمود عباس. كما فرضت إدارة جورج بوش الابن عقوباتٍ على مؤسّسات السلطة التي يشتبه أنها تحت تأثير “حماس”، فضلاً عن وضع ثلاثة شروط عليها عبر “الرباعية الدولية” المشرفة على المفاوضات، وهي الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، إن هي أرادت الاعتراف بها وفك العزلة عن حكومتها. وتمثلت تلك الشروط في: الاعتراف بإسرائيل، الاعتراف بالاتفاقات السابقة بين منظّمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتخلي عن العنف. وهي الشروط التي رفضتها “حماس”، وبالتالي شدّدت الولايات المتحدة العقوبات على حكومتها وعلى الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزّة.

في يونيو/ حزيران 2002، أي بعد هجمات 11 سبتمبر (2001) في كل من نيويورك وواشنطن، وإعلان واشنطن “الحرب على الإرهاب”، أعلن بوش أن على الفلسطينيين اختيار قادة جدد لم “يتلطخوا بالإرهاب”، كما شدّد على ضرورة أن يتنازل الرئيس الفلسطيني، حينئذ، الراحل ياسر عرفات، عن صلاحياته لـ”برلمان فلسطيني يتمتع بالسلطة الكاملة لمجلس تشريعي”. واستمر بوش في ضغوطه على عرفات لتعيين رئيس وزراء يتمتع بسلطة الإشراف على الأمن والمال، وهو ما كان بتعيين محمود عبّاس رئيساً للوزراء في مارس / آذار 2003. حينها مرّر المجلس التشريعي الفلسطيني (كان تحت سيطرة حركة “فتح”) تعديلات على القانون الأساسي (الدستور) للسلطة الفلسطينية نصّت على استحداث منصب رئيس للوزراء بصلاحيات واسعة، تشمل الإشراف على الملفين الأمني والمالي. إلا أن عبّاس لم يلبث أن قدّم استقالته في سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، بسبب اصطدامه بعرفات الذي رفض أن يتنازل عن صلاحياته الواسعة.

بعد وفاة عرفات عام 2004، ورغم صعود عبّاس (المرضيِّ عنه أميركياً وإسرائيلياً حينها) إلى سدّة الرئاسة مطلع عام 2005، بقيَ بوش يضغط عليه لإجراء انتخابات تشريعية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزّة (ضمن “أجندة الحرية” و”مبادرة الشرق الأوسط الكبير” التي تبنّتها إدارته حينئذ)، وهو الأمر الذي كانت تعارضه كل من رام الله وتل أبيب معاً، خشية أن تأتي الانتخابات بحركة حماس. كانت إدارة بوش مقتنعة بأن حركة فتح ستفوز في الانتخابات، وكان رهانها أن دخول “حماس” بنسبة جيدة في المجلس التشريعي سيساهم في عقلنة خطابها السياسي ويبعدها تدريجياً عن خط المقاومة المسلحة. إلا أن الصدمة كانت بعد ظهور النتائج الرسمية للانتخابات الفلسطينية (يناير/ كانون الثاني 2006)، والتي فازت فيها “حماس” بأكثر من 56% من مقاعد المجلس التشريعي، وهو ما عنى أن رئيس الوزراء القادم سيكون منها، وبأن الأجهزة الأمنية والشؤون المالية ستخضع لإشرافه، وذلك إذا ما جرى تطبيق القانون الأساسي الذي ضغط بوش، نفسه، من قبل لتعديله على هذا الشكل، وأصرَّ عبّاس على إنفاذه في خلافه مع عرفات.

لم تقبل إدارة بوش وإسرائيل بنتائج الانتخابات الفلسطينية، كما أنها لم تعترف بشرعيّتها، واستقر رأيهما على إفشال “حماس” وإخراجها من الحكم ولو بالقوة. وفعلاً، ضغطت واشنطن وتل أبيب لقطع المساعدات عن أي حكومة فلسطينية تشكلها “حماس” أو تكون طرفاً فيها، ما لم تقبل “حماس” بشروط اللجنة الرباعية الثلاثة. ومع رفض الحركة هذه الشروط ورفض “فتح”، بضغوط أميركية، المشاركة في حكومة وحدة وطنية مع “حماس”، شكّلت الأخيرة حكومة بمفردها في مارس/ آذار 2006. ومباشرة ردّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية. لم يكن هذا كلَّ شيء، إذ رفض عباس وحركة فتح تسليم مسؤوليات الإشراف على الأجهزة الأمنية والمالية لـ”حماس”، بل إنهما أعلنا استعادة هذه الصلاحيات لمؤسسة الرئاسة، وذلك على عكس ما يقرّره القانون الأساسي المعدّل، والذي صمّم من قبل على مقاس عبّاس تحديداً عندما استلم رئاسة الوزراء زمن عرفات. وقد تسبّبت خطوات عباس و”فتح” هذه بإشعال فتيل التوتر مع “حماس”، وهو ما هيأ الأرضية لصدامات دموية بينهما، خصوصاً في قطاع غزّة.

لم تقبل إدارة بوش وإسرائيل بنتائج الانتخابات الفلسطينية، كما أنها لم تعترف بشرعيّتها، واستقرّ رأيهما على إفشال “حماس” وإخراجها من الحكم ولو بالقوة

على أيِّ حال، وحتى لا نغرق في تفاصيل كثيرة هنا، فإن صمود “حماس” في الحكم دفع بإدارة بوش لمحاولة هندسة انقلاب على حكومتها. تؤكد بعض الوثائق السرية لإدارة بوش والتي تمّ الكشف عنها في ربيع عام 2008، أي بعد أقلّ من عام على الانقسام الفلسطيني، أن إدارة بوش سعت منذ انتخابات عام 2006 إلى إطلاق شرارة “حرب أهلية” فلسطينية بين الحركتين، وذلك عبر تسليح قوات محسوبة على “فتح” وتدريبها لهزيمة “حماس” بالقوة في القطاع، وإسقاط حكومتها، وحلِّ المجلس التشريعي، وإجراء انتخابات جديدة تستبعد منها “حماس”. وحسب تلك الوثائق، أنيطت مسؤولية الإشراف على تلك الخطّة بوزيرة الخارجية الأميركية، حينئذ، كونداليزا رايس، ومساعد مستشار الأمن القومي، حينها، إليوت إبرامز، وهو الأمر الذي يؤكّده الأخير في كتاب له صادر عام 2013 بعنوان “اختبار أمام صهيون: إدارة بوش والصراع الإسرائيلي- الفلسطيني”. إلا أن نتائج تلك الخطّة كانت كارثية بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فضلاً عن السلطة الفلسطينية، ممثلة بمؤسّسة الرئاسة وحركة فتح، واللتين تواطأتا في المؤامرة، حسبما تؤكد تلك الوثائق.

تتظافر الوثائق التي كُشف عنها، فضلاً عن شهادات من داخل إدارة بوش نفسها والأمم المتحدة، في تأكيد مسؤولية إدارة بوش المباشرة (وتساوق السلطة الفلسطينية برئاسة عبّاس، وحركة فتح معها) عمّا جرى في قطاع غزّة منذ الانتخابات التشريعية عام 2006. واستناداً إلى هذه الوثائق التي نشرها ديفيد روز، في مجلة فانيتي فير (3/3/2008)، تحت عنوان “قنبلة غزّة”، فإن واشنطن هي من حرّضت عبّاس و”فتح” على عدم تسليم مسؤولية الإشراف على الأجهزة الأمنية والقطاع المالي لحماس، والتي مثلت شرارة الصدام الأول بين الطرفين. وجاء في تلك الوثائق أن رايس سافرت إلى رام الله والتقت عبّاس في مقر المقاطعة في 4 أكتوبر / تشرين الأول 2006، حاملة إليه رسالة أميركية واضحة بضرورة حلِّ حكومة إسماعيل هنية في أقرب وقت ممكن، وإعلان حالة الطوارئ، وإجراء انتخابات جديدة. الأهم من ذلك أن إحدى الوثائق تفيد بأنه في حال وقوع صدامات مسلحة مع “حماس”، فإن الولايات المتحدة ستدعم عبّاس “مادياً وسياسياً”. كما شجّع الأميركيون عبّاس على الاستعانة بـ”شخصيات ذات مصداقية وذات مكانة قوية في المجتمع الدولي”، كمحمد دحلان. وفعلاً، تمَّ تعيين الأخير، حينها، مستشاراً للأمن القومي لعبّاس، ووضعت كل الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت إشرافه.

لم يكن ما قامت به حركة “حماس” حينها “انقلاباً” منها، ولا حتى “حسماً عسكرياً”، بل تقتضي الموضوعية القول إنه كان دفاعاً عن الشرعية

هنا يدخل الجنرال الأميركي كيث دايتون على خط تطور الأحداث فلسطينياً في تلك السنوات، فحسب الوثائق نفسها، التقى دايتون دحلان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2006، في خضم خوض “حماس” و”فتح” جولاتٍ من القتال المتقطّع في القطاع، وأخبره أن الولايات المتحدة تريد مساعدته على بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمواجهة “حماس”، وهو ما وافق عليه دحلان، ولكنه طلب موارد كبيرة، ذلك أنه “ليس لدينا القدرة” على ذلك ضمن المعطيات الحالية. وفعلاً، اتفق الرجلان على إعداد خطة أمنية فلسطينية، تقضي بوضع الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت إشراف دحلان، وتدريبها وتسليحها أميركياً. وحسب ما أوردته تقارير استقصائية أميركية (مثلاً، شيرا إفرون وإيلان غولدنبرغ، “السياسة الأميركية تجاه قطاع غزّة”، مؤسسة راند، 13/2/2018)، فإن الكونغرس الأميركي وافق على تقديم 59 مليون دولار مساعداتٍ عسكرية غير فتاكة لأجهزة الأمن الفلسطينية المنضوية تحت سيطرة “فتح”، ومعدات لحفظ النظام الداخلي. أيضاً، نجحت إدارة بوش في توفير شحنات أسلحة فتاكة للأجهزة الأمنية الفلسطينية، بقيمة 30 مليون دولار (كما جاء في تقرير فانيتي فير المشار إليه أعلاه)، من مصر والإمارات، في حين ساهم الأردن في تدريب تلك القوات.

وفي 6 فبراير/ شباط 2007 دعا ملك السعودية الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، كلاً من قيادتي حركتي حماس وفتح، إلى مكة المكرمة لرعاية مصالحة فلسطينية- فلسطينية. ترأس عباس وفد “فتح”، في حين ترأس وفد “حماس”، رئيس مكتبها السياسي حينئذ، خالد مشعل. وبعد مفاوضاتٍ اتفق الطرفان على تشكيل حكومة وحدة وطنية، بموجبها يستمر هنية رئيساً للوزراء، مع إعطاء حقائب وزارية هامة لحركة فتح. واتُّفق على أن تشرف “حماس” على الملفات الداخلية، في حين يتولى الحقائب السيادية الهامة، كالخارجية والمالية، تكنوقراط وأكاديميون مستقلون بتوافق من الطرفين. وبموجب الاتفاق أيضاً، وافقت “حماس” على “احترام” الاتفاقات السابقة الموقعة بين منظّمة التحرير وإسرائيل، كما أتاحت المجال، ضمنياً، لعباس الاستمرار في مفاوضاته مع الإسرائيليين على أرضية حل الدولتين. مقابل ذلك، التزمت السعودية بدفع رواتب موظفي السلطة الفلسطينية الذين كانوا يعانون منذ قطع التمويل الأميركي- الأوروبي عن مؤسّسات السلطة بعد تشكيل “حماس” حكومتها عام 2006. لكن الاتفاق لم يعجب إدارة بوش، وعبّر بوش عن “خيبة أمله” منه.

وحسب الوثائق التي كُشف عنها لاحقاً، فقد وضعت وزارة الخارجية الأميركية خطة جديدة لإفشال حكومة الوحدة الوطنية، عرفت باسم “الخطة ب”، وقامت على “تمكين (عباس) ومؤيديه من الوصول إلى نهاية محدّدة في نهاية عام 2007، ينتج عنها، بعد “فرض حكومة طوارئ.. حكومة فلسطينية (جديدة) من خلال الوسائل الديمقراطية تقبل بمبادئ الرباعية الدولية” (فانيتي فير).

إدارة بوش سعت منذ انتخابات 2006 إلى إطلاق شرارة “حرب أهلية” فلسطينية، عبر تسليح قوات محسوبة على “فتح” وتدريبها لهزيمة “حماس” بالقوة

قناعة أم تجاوباً مع الضغوط الأميركية، تماهى عبّاس، حسب تلك الوثائق، مع مخطّطات إدارة بوش، عبر إعداد “خطة عمل للرئاسة الفلسطينية” لتعزيز قوات الأمن الفلسطينية وقدراتها من أجل “ردع حماس”. ولم تتأخّر الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب، بالتعاون مع إسرائيل، في بدء تدريب القوات الجديدة وفي إرسال الأسلحة. وكما يؤكّد المنسّق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، حينها، ألفارو دي سوتو، فإن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، حينئذ، ديفيد ولش، قال له تعليقاً على الصدمات الدموية في قطاع غزّة بين “حماس” و”فتح”: “أنا أحب هذا العنف. وهذا يعني أن فلسطينيين آخرين يقاومون حماس” (كاثلين كريستيسون، “أغنية الإغواء لإليوت إبرامز”، مجلة كاونتر بانش، 26 يوليو 2007).

كانت “حماس” تتابع تطورات الخطة الأميركية وما يُسرّب عنها، وتماهي مؤسسة الرئاسة الفلسطينية والأجهزة الأمنية، وقطاعات واسعة من حركة فتح معها، فضلاً عن دخول شحنات الأسلحة إلى القطاع، واستمرار الصدامات الدموية بين الطرفين والتي كانت تستنزفها كثيراً. وفي 14 يونيو/ حزيران عام 2007، وبعد صدامات دموية بين الطرفين، تمكّن مقاتلو “حماس” من هزيمة القوات الموالية لحركة فتح والسيطرة تماماً على قطاع غزّة. وحسب ديفيد وورمسير، الذي كان مستشاراً لنائب الرئيس الأميركي حينها، ديك تشيني، فإن ما جرى لم “يكن انقلاباً من حركة حماس وإنما إجهاضاً لمحاولة انقلابية قامت بها فتح”(فانيتي فير).

باختصار، وبعيداً عن أيّ موقف من فكر حركة حماس، أو مسارها السياسي، أو منطق دخولها انتخابات عام 2006 تحت مظلة أوسلو، أو أسلوب مقاومتها، أو ما جرى في 7 أكتوبر (2023)، أو كيفية إدارتها ملف المفاوضات في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، فإن ما جرى يوم 14 يونيو 2007، كان محاولة انقلاب من السلطة الفلسطينية وحركة فتح على حكم “حماس” القانونيّ والشرعيّ، لا العكس. وعملياً، لم يكن ما قامت به حركة “حماس” حينها “انقلاباً منها، ولا حتى “حسماً عسكرياً”، بل تقتضي الموضوعية القول إنه كان دفاعاً عن الشرعية. هذا حكم موضوعيٌّ، بعيدٌ عن الحبِّ أو الكراهية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...