عبد الله مشنون
كاتب وصحفي مقيم بايطاليا
في زمن ندر فيه النبل وتراجعت فيه القيم خلف الشاشات والضجيج، ينهض اسم رحّال عماري، المغربي البالغ من العمر 42 سنة، ليُعيد للبطولة معناها الحقيقي: أن تُنقذ الأرواح وتُضحّي بحياتك دون تردّد.
في شاطئ “ليدو دي غابياني” بمنطقة كاستل فولتورنو، وبينما كانت الأمواج تتلاعب بحياة طفلين على وشك الغرق، لم ينتظر رحّال رجال الإنقاذ، ولم يتردد لحظة. قفز نحو البحر بقلب الأب والإنسان، حملهم واحدًا تلو الآخر، وسحبهم إلى برّ الأمان، حيث تسلّمتهم أيادٍ أخرى على الشاطئ.
لكن البحر الذي انتُزعت منه أربعة أرواح بريئة، استعاد روحه هو. رحّال أنقذ الجميع… ومات وحده.
الجالية المغربية في إيطاليا… تشرّف بقيمها وأبنائها
لم تكن هذه التضحية لحظة بطولية عابرة. بل هي مرآة حقيقية للقيم التي تتشبث بها الجالية المغربية في إيطاليا. جاليةٌ تعمل وتبني وتُربّي وتُضحّي، دون ضجيج، ودون انتظار مكافآت.
رحّال لم يكن مجرد مهاجر. كان إنسانًا، وربّ أسرة، ورجلًا معروفًا ومحبوبًا في محيطه. واليوم، وهو يرحل بصمت، يُخلّد اسمه في الذاكرة الجماعية، كرمز حيّ لما يعنيه أن تكون مغربيًا يشرّف بلده بأفعاله قبل أقواله.
لقد أنقذ أطفالًا لا يعرفهم، وترك طفلين يتيمين سيكبران على حكاية اسمها: “كان والدي بطلاً.”
البطولة الحقيقية… لا تبحث عن الكاميرات
ما قام به رحّال عماري لا يُعلّق على جدران، بل يُرسّخ في القلوب والضمائر. لقد جسّد أسمى معاني المواطنة الكونية والكرامة الإنسانية. لم ينظر إلى جنسية الأطفال، ولا إلى هويّتهم، بل تحرّك بدافع أسمى: أن لا يترك الأبرياء يغرقون أمام عينيه.
في زمن الشاشات والبروباغندا، رحل هذا المغربي البسيط، ليُعلّمنا أن البطولة لا تحتاج إلى كاميرات، بل إلى شجاعة، وضمير حي.
رسالة مفتوحة لإيطاليا والمغرب معًا
نحن اليوم، كمغاربة في إيطاليا، نحني رؤوسنا إجلالاً لرحّال، ونرفعها فخرًا بانتمائنا لهذه الجالية التي تكتب تاريخها بصمت وتضحية. ونوجّه رسالة مفتوحة:
رحّال ليس فقط بطلاً مغربيًا، بل بطلاً إنسانيًا. وإيطاليا مدينة له بكلمة شكر، واعتراف، وتخليد يليق بما قدّمه.
وإلى كل المشككين في معنى الهجرة والانتماء، إليكم الجواب: حين يهبّ مغربي لإنقاذ حياة الآخرين دون انتظار مقابل… فتلك هي الهجرة التي تصنع المعنى.
رحّال… ستبقى حيًا في قلوب الجميع
نم قرير العين يا رحّال. لقد أنقذت أرواحًا، وسكنت القلوب، وكتبت اسمك بدم الشهداء لا بالحبر.
سنحكي قصتك لأطفالنا، وسنحمل اسمك في ذاكرتنا الجماعية كرمزٍ للشجاعة والمروءة.
سلامًا لروحك… وكرامة لأهلك… وفخرًا لنا جميعًا.





