جدوى الكفاءة في نسق مؤسساتي مختل: حين تعجز الكفاءات في بيئة غير ممكنة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 من المسلّم به أن الكفاءة الفرديّة، مهما بلغت من جدّية أو حنكة، لا يمكنها أن تُثمر داخل منظومة مختلّة أو معطّلة في بنيتها العميقة. فالفرد الفاعل لا يعمل في الفراغ، بل يتحدّد فعله ضمن سياق مؤسسي حاضن، إن لم يكن مُمكنًا ومؤمّنًا، تحوّل إلى عبء على طاقاته بدل أن يكون حافزًا لها. وهذا ما يجعل من سؤال “جدوى الكفاءة” سؤالًا مرهونًا بشرطها المؤسساتي لا بوجودها المجرد فقط.
  وتُجسّد ظاهرة هجرة الأدمغة هذا المعطى بشكل جلي؛ فكم من شخص طُمِر في الهامش داخل وطنه، ولما انخرط في نسق خارجي تتوفّر فيه شروط التنظيم، والاعتراف، والتقدير الوظيفي للكفاءة، أصبح فاعلًا ومبدعًا وذا أثر ملموس. ليست الكفاءة إذن صفة مطلقة، بل علاقة جدلية بين الفرد والسياق، بين ما يملكه من ملكات، وما يُتاح له من إمكانيات.
  الكثيرون لا يشتكون، ولا يصرخون. بل يختارون الصمت؛ لا ضعفًا أو سلبية، وإنما لأنهم أدركوا أن الصوت لا يُسمع في مؤسسات أُسّست على الصدّ لا على الإصغاء. إنهم يتألّمون في صمت، لا لأنهم عاجزون، بل لأن الألم نفسه يصبح، في لحظة ما، أنبل من الشكوى في بيئة لا تحترم الألم.
1. جدلية الفاعلية والسياق: هل الكفاءة فعل مجرّد أم مشروط؟
  هل تكفي الكفاءة وحدها لتغيير الواقع؟ وهل يمكن للكفاءة، مهما بلغت من حدة واقتدار، أن تصنع الأثر في نسق يتغذى على التعطيل لا على التفعيل؟ أم أن السياق المؤسساتي قد يكون من القوة بحيث يعيد تدوير كل طاقة فاعلة إلى داخل منطق العطالة؟
  تسائل هذه الإشكالات جوهر الكفاءة لا بوصفها صفة شخصية، بل كفعل مركّب مشروط ببنية تتجاوز الإرادة الفردية، وتتقاطع مع منطق الإنتاج، والاعتراف، والممكن المؤسساتي. وهنا تنبثق الحاجة إلى سوسيولوجيا تعيد تعريف الكفاءة لا باعتبارها معطى ذاتيًا، بل كأثر مشروط بإمكانيات التمكين والاعتراف داخل النسق التنظيمي.
2. الكفاءة كعبء رمزي: عندما تُقمع المهارة باسم الاستقرار
  ما الذي يحدث حين يجد الفرد الكفء نفسه داخل مؤسسة لا تشتغل على معيار الجدارة، بل على منطق الولاء، أو الزبونية، أو التسويات الضمنية؟
  في مثل هذه السياقات، تتحول الكفاءة من رصيد إنتاجي إلى ما يشبه “الخطر الصامت”، حيث يُنظر إلى الشخص المجتهد لا بوصفه رافعة محتملة، بل كعنصر يُربك منطق الركود المتواطأ عليه. وهكذا، تُقابل الكفاءة بالتحفّظ والتوجّس بدل التشجيع والدعم، ويُعاد تأطيرها كعبء رمزي، ومصدر توتر داخلي، لا كمحرك للفاعلية الجماعية.
3. سوسيولوجيا التعطيل: من المأسسة الشكلية إلى الإجهاض الوظيفي
  هل كل مؤسسة تُنتج بالضرورة؟ وهل يكفي الحضور المؤسساتي دليلاً على الاشتغال البنّاء؟
  هنا يجب التمييز بوضوح بين البنية المؤسساتية كإطار قانوني رسمي، وفعاليتها الإجرائية من حيث قدرتها على التمكين وتحقيق النتائج. فكثير من المؤسسات، خصوصًا في السياقات البيروقراطية المغلقة، تشتغل على نحو مضاد للفعل، حيث تُستعمل الهياكل واللوائح كأدوات للإجهاض بدل التمكين، وتُحوَّل المهام إلى آليات لاستهلاك الزمن والميزانيات بدل تحقيق الأثر الفعلي.
  يشتغل هذا النمط ضمن ما يمكن تسميته بتدبير الواجهة (façade management)؛ حيث تُقدَّم صورة اشتغال خارجي، بينما الداخل يعجّ بعمليات إفراغ للوظيفة من مضمونها. في هذا السياق، تبدو الكفاءة وكأنها ترف طوباوي، أو رفاهية فكرية لا يُعوّل عليها في منظومات خُلِقت لاحتواء الإخفاق لا لتحفيز النجاح.
4. الكفاءة المهجَّرة: ماذا تقول ظاهرة هجرة الأدمغة؟
  لماذا يهاجر الأكفاء؟ ولماذا يعجز كثير منهم عن إثبات ذاته داخل وطنه، بينما يزدهر إنتاجه خارجه؟
  ظاهرة هجرة الأدمغة ليست مجرد نزيف بشري، بل هي مرآة دقيقة لاختلال العلاقة بين الكفاءة والمؤسسة. فهي تكشف عن نسق غير مؤهّل لاستيعاب القدرات، وغير راغب فعليًا في تمكينها، بل يُنتج باستمرار شروطًا طاردة تجعل من الرحيل خيارًا وجوديًا لا مهنيًا فحسب.
  كم من فرد كان مغمورًا في سياق محلي، لمجرد أنه لم ينسجم مع منطق “التطويع”، لكنه أصبح ذا أثر واضح داخل مؤسسات تشتغل على مبدأ الجدارة، وتُفعّل الاعتراف وتُحسن التوظيف. المشكلة لم تكن فيه، بل في النسق الذي اعتبر كفاءته مصدر إرباك، أو خطرًا رمزيًا، أو تهديدًا لـ”الاستقرار”.
5. المؤسسات المضادة للنجاح: هل الفشل سلوك بنيوي؟
  هل توجد مؤسسات تُجهض النجاح بشكل ممنهج؟ وهل يمكن أن تكون بعض البُنى التنظيمية مصمّمة لتظل دون أثر؟
  في بعض السياقات، تُبنى المؤسسات على نوع من التوازن الهش الذي يقوم على التعطيل المتبادل، وتوزيع الصمت، وغضّ الطرف، والتواطؤ الهيكلي. في مثل هذه الظروف، يُنظر إلى الكفاءة كتهديد، لا كفرصة؛ لأنها تضيء ما يُفترض أن يظل مظلمًا، وتطرح أسئلة غير مرغوب في طرحها.
  هنا، لا تعود الكفاءة مجرد أداة إنتاج، بل تصبح عنصرًا مشاكسًا، قد يوقظ النظام من سباته، فيُعاد تأطيرها كجريمة ناعمة. ولسنا إذن أمام مجرد مؤسسات فاشلة، بل أمام أنظمة ممانعة مؤسسية تحتمل كل شيء إلا النجاح.
6. الصمت كاستراتيجية أخلاقية: ماذا يفعل الفاعل حين لا يُحتمل فعله؟
  لماذا يصمت الأكفاء؟ ولماذا يُفضّل بعضهم الانسحاب بصمت بدل الاصطدام أو الاحتجاج؟
  الصمت، في هذه السياقات، ليس بالضرورة تعبيرًا عن الضعف، بل أحيانًا صيغة أخلاقية للنجاة، ومقاومة راقية لاستفزازات النسق. فهو في آنٍ واحد لغة مكرهة، واستراتيجية كرامة، وموقف وجودي يعبّر عن استحالة الفعل في بيئة لا تعترف لا بالألم ولا بالجدوى.
  لكن، إلى متى يُطلب من الفاعل أن يستمر في العطاء، وهو يعلم أن مؤسسته تُفرغ فعله من معناه، وتصادر أثره قبل أن يبدأ؟
  وهل من الأخلاقي أصلاً، أن تُحمّل الكفاءة مسؤولية الخلاص داخل نسق مصمَّم على إجهاض كل بذرة إصلاح؟
* خلاصة مفتوحة: الكفاءة الممكنة أم الكفاءة المعطّلة؟
  إن سؤال الكفاءة في النسق المختل ليس مسألة تقنية، بل قضية وجودية تتقاطع مع أسئلة الاعتراف، والتمكين، والمعنى.
  فما لم يُعاد النظر جذريًا في منطق المؤسسة، لا من حيث قوانينها فقط، بل من حيث ذهنياتها، وأنساقها الرمزية، ومناخها الأخلاقي، ستظل الكفاءات عالقة، تُقاوم بصمت، أو تهاجر، أو تنكسر في صمت.
  ويبقى الأسئلة الجوهرية التي تستفزنا جميعًا: هل نشتغل ضمن مؤسسات تُمكّن الكفاءات؟ أم نُعيد إنتاج أنظمة لا تحتمل النجاح؟ وهل يمكن، في ظل هذا الوضع، الحديث عن أمل، أو إصلاح، أو تنمية، دون أن نعيد أولاً الاعتبار لفعل الكفاءة في سياقها المؤسسي؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...