بقلم: وصال مكوار
ليس غريبا وسط هذا الانحدار العام في القيم الثقافية، أن يطرح بعض المفكرين أسئلة مؤلمة تختزل عمق الأزمة. ومن بين هذه الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح يبرز ذلك التساؤل الحاد الذي صاغه فرانك فوريدي في كتابه “أين ذهب كل المثقفين ؟” بكل ما يحمله من قلق وتشريح دقيق للواقع:
“أين ذهب كل المثقفين؟ إنه سؤال نابع من هاجسين عميقين: فقدان البوصلة الفكرية ومشكلة التسطيح المؤسسي. التسطيح الاجتماعي، معاملة الشعوب كأطفال لا كبالغين، تسطيح المفاهيم والأعمال الفنية وغيرها بقصد أن تصل لأكبر شريحة ممكنة من الجمهور، تدجين المثقفين والمفكرين داخل المؤسسات البحثية وتحوليهم لمجرد موظفين، إضافة لتهميشهم إعلامياً ومجتمعياً وجعلهم محل سخرية، وفي المقابل دعم الفنانين ونجوم كرة القدم والإعلاميين وكتاب القصص وتصديرهم كنجوم وقادة ونماذج يُحتذى بها، والاعتماد عليهم في تشكيل وعي شعوبهم، فتكون النتيجة شعوب مسطّحة بلا وعي ولا ذاكرة ولا عقل نقدي. فالجامعات بعد أن كانت بؤرة إبداعية وثقافية في الماضي، أصبحت مكاناً يضم الأذكياء رفيعي التعليم، وأكاديميين مهنيين، لكنهم بالتأكيد لا يعدون ضمن الطبقة المثقفة المؤثرة..”.
هذه الفقرة المكثفة لا تطرح مجرد تشخيص فردي، بل تعبر عن أزمة ثقافية بنيوية يعيشها المثقف المعاصر في المجتمعات الحديثة، فالمثقف لم يعد كما كان فاعلا محوريا في الحياة العامة، بل أُقصي عن الفضاء العمومي لصالح “النجومية السهلة”، وتحول من مرجعية فكرية إلى حضور باهت أو غير مرغوب فيه. كما لم تعد المؤسسات الثقافية والتربوية كما كانت في السابق، منابر للتكوين الفكري الحر، بل أصبحت جزءا من منظومة إنتاج رمزي متساهل، تهدف إلى التوافق مع متطلبات السوق والذوق الجماهيري، أكثر من اهتمامها بتطوير الحس النقدي ورفع الوعي.
إن “التسطيح المؤسسي” الذي يشير إليه فوريدي لا يقتصر على المحتوى الفكري فحسب، بل يمتد إلى طبيعة التكوين الأكاديمي ذاته، بحيث أصبح الأكاديمي موظفا إداريا لاأكثر، وبات المثقف مطالبا بالانضواء تحت معايير النشر الممنهج والتصنيفات البيروقراطية، بدلا من الانخراط في قضايا مجتمعه أو ممارسة دوره التنويري، ولم يعد المثقف يملك ترف الانحياز للحقيقة، بل عليه أن يراعي “الحياد” وأن يتحاشى الصدام، مما يجعله خارج دائرة التأثير.
في هذا السياق، فإن الإشكال لا يكمن فقط في تهميش المثقف، بل في إعادة تشكيل مفهوم الثقافة نفسها، إذ تم استبدال المعايير الأخلاقية والمعرفية بمعايير الشهرة والانتشار، وصار حضور المثقف الحقيقي مزعجا لأنه يذكر بما يجب أن يكون، بينما تهيمن أصوات ناعمة ومروضة تقدم خطابا مستهلكا لا يهدد أحدا ولا يغير شيئا، ومن هنا تبرز الإشارة المؤلمة التي يوردها فوريدي إلى أن المثقف أصبح “كائنا مهددا بالانقراض”، أمام طوفان من مدعي الثقافة الذين يفتقرون إلى المضمون الأخلاقي والفكري، ومع ذلك يهيمنون على المشهد.
هذه الأزمة تستدعي إعادة التفكير في وظيفة المثقف، ليس كفرد معزول أو صاحب سلطة أخلاقية رمزية فقط، بل كفاعل اجتماعي منخرط في مساءلة الخطاب، وفي إنتاج المعنى داخل الفضاء العام. أن يكون المرء مثقفا كما يختم فوريدي، يعني أن يتحمل مسؤولية اجتماعية وأن يتخذ مواقف حقيقية، ولا أن يعيش من أجل الأفكار في فراغ مغلق.
فالفكر، إن لم يربط بالفعل يتحول إلى رفاهية نظرية لا وزن لها في ميزان التغيير.
غير أن المعضلة لا تتوقف عند حدود الإقصاء الإعلامي أو احتلال الوجوه الترفيهية للمشهد الثقافي، بل تمتد إلى البنية العميقة للمنظومة التعليمية نفسها، وعلى رأسها الجامعات. إذ أن الجامعات التي كان يفترض أن تكون فضاء لتفجير الطاقات الفكرية وتكوين شخصيات نقدية مستقلة، تحولت إلى مؤسسات إنتاج نمطي، تكرس ثقافة الامتثال والانضباط بدلا من التشكيك والتجاوز،ولم يعد تكوين الطالب الجامعي يسعى إلى بناء فرد حر ومثقف، بل إلى إنتاج موظف معرفي يتقن اتباع التعليمات والتفوق في تطبيق المقررات المعلبة.
إن منطق التعليم الجامعي في كثير من السياقات، يعيد إنتاج الأزمة بدلا من حلها؛ حيث توضع مناهج مغلقة يتم التعامل معها كقواعد يجب اتباعها بحذافيرها، ولا يفسح للطالب أو للأستاذ حيز كاف لإعمال التفكير المستقل أو تقديم قراءة مغايرة. بل إن من يحاول الخروج عن القطيع، سواء من داخل الحقل الأكاديمي أو من الطلاب، يواجه إما بالتهميش أو بالرقابة المباشرة، ويتعرض للضغط المؤسسي الذي يفضل الطاعة على الإبداع، والامتثال على الجرأة.
هكذا يتم وأد الفكر النقدي في مراحله الأولى، ويربى الطالب على الخوف من الخطأ أكثر من رغبة الاستكشاف.. وبدل أن تكون الجامعة مختبرا حرا لإنتاج الأفكار ومساءلة البديهيات، تتحول إلى مصنع للتكرار، يسجن الذكاء داخل معايير النجاح الشكلية، ويفرغ التعليم من معناه التحرري. وبالتالي تصبح الجامعة بيئة لا تنتج مثقفين بل خريجين أكفاء في تلبية حاجات السوق، عاجزين عن زعزعة الخطابات الجاهزة أو طرح أسئلة مقلقة.
كل ذلك يسهم في تكريس نمط ثقافي أحادي، خالٍ من التوترات الفكرية والمغامرات المعرفية. وفي غياب هذا التوتر، تتآكل الثقافة من الداخل، وتتحول إلى واجهة صامتة، وإلى طقوس رمزية لا قدرة لها على التأثير. وتُصبح الفجوة بين المثقف الحقيقي والمؤسسات التي يفترض أن تحميه وتدفعه نحو الفعل، فجوة لا يمكن ردمها إلا بإعادة الاعتبار للحرية داخل الفضاء الأكاديمي، واحترام الحق في الاختلاف، والتشجيع على التفكير الخارج عن النسق، لا معاقبته.
إن مناخا تعليميا لا يحتمل المثقف أو الناقد، ولا يسمح بتكوين مثقفين جدد، لا يمكن له إلا أن يكرس الرداءة، والمجتمعات التي تطرد مثقفيها أو تفرغهم من أدوارهم، أو تحاصرهم بالهامش، إنما تقصي ذاكرتها وتغلق أفق مستقبلها، فوحده المثقف المستقل الذي يرى ويواجه ويطرح الأسئلة الصعبة، قادر على إعادة معنى الثقافة والوعي إلى المجتمع.





