ناصر الأمين
كاتب لبناني
تمحور الجدل في الفضاء العام الغربي، على مدار العامين الماضيين، حول ما إذا كان من المناسب قانونياً وتقنياً توصيف الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق أهل غزة بأنها «إبادة جماعية». من هنا تأتي أهمية كتاب المؤرخ البريطاني-الإسرائيلي آفي شلايم، «الإبادة في غزة»، لوضع هذا النقاش في سياقه التاريخي والتأكيد بشكل قاطع وعلمي على أن ما يرتكبه الإسرائيليون في غزة، لا يمكن توصيفه سوى بالإبادة الجماعية.
في سلسلة من المقالات والتقارير والأبحاث التي كتبت بين عامي 2009 و2024، يضع شلايم السياق التاريخي للإبادة. ويمر سرده للوقائع التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة على الانتداب البريطاني، ودوره في تثبيت أقدام الحركة الصهيونية في فلسطين، ويذكرنا بالفشل العربي في التصدي للاحتلال عسكرياً وسياسياً، ثم بالجهود الدبلوماسية الرامية إلى ضمان بعض الحقوق الفلسطينية الوطنية، والسياسة الإسرائيلية القائمة على عرقلة هذه الجهود، واستخدام القوة المفرطة ومنطق «فرّق تسد» الكولونيالي، بهدف منع المقاومة الفلسطينية من التحول إلى حركة وطنية موحدة ذات موقف جامع.
شلايم هو أحد أبرز مؤسسي حركة «المؤرخين الجدد»، الذين أعادوا قراءة تاريخ إقامة الدولة الإسرائيلية، من خلال دراسة وثائق حكومية إسرائيلية أُفرج عنها بعد عام 1978، متحدّين الرواية الصهيونية الرسمية حول النكبة وحرب 1948، وهادمين الأساطير التأسيسية لإسرائيل وخطاب المظلومية الذي ما تزال تستخدمه حتى اليوم لتبرير جرائمها. ومن بين المؤسسين الآخرين إيلان بابيه، المعروف بأعماله ومواقفه المناهضة للصهيونية، وبيني موريس، الذي تحوّل في العقدين الأخيرين إلى أحد المدافعين البارزين عن الجيش الإسرائيلي والمبررين لجرائمه، لاسيما خلال العدوان الأخير على غزة.
يبدأ الكاتب بتوصيف الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية هدفت إلى إقامة دولة يهودية مستقلة على أرض فلسطين، تستحوذ على أكبر قدر ممكن من المساحة وأقل قدر ممكن من السكان العرب. ويُميز بين الاستعمار الاستيطاني ونظيره التقليدي، استناداً إلى تعريف باتريك وولف، في أن الأول لا يسعى فقط إلى استغلال الموارد واليد العاملة، بل يهدف إلى إحلال مجتمع من المستوطنين مكان السكان الأصليين. منطق هذا النوع من الاستعمار يقوم على «الإزالة»، أي محو السكان الأصليين مادياً أو ثقافياً أو قانونياً. ومن أبرز أمثلته: أستراليا، أمريكا الشمالية، وفلسطين بطبيعة الحال.

وعليه، فإن الحركة الصهيونية، التي يكرر شلايم توصيفها كحركة قومية أوروبية من أجل يهود أوروبا، هي في جوهرها مشروع استعماري استيطاني، هدفه منذ البداية إزالة أكبر عدد ممكن من السكان العرب واستبدالهم بمستوطنين يهود قدموا من أوروبا. بهذا الفهم، يصبح منطق الإبادة متأصلاً في بنية الدولة التي أقامتها الحركة الصهيونية. بذلك يظهر الكتاب في تأريخه للسياق الذي أوصلنا إلى اللحظة الراهنة، أن محاولات إبادة الفلسطينيين على يد الدولة الإسرائيلية ليست بحدث يُحدد بأعداد الشهداء في غزة فحسب، ولا بخطط التهجير التي لم يتوقف السياسيون الإسرائيليون عن طرحها طيلة مدة هذه الحرب، بل هي عملية مستمرة منذ عقود تحدد طبيعة العلاقة بين إسرائيل، بما هي كيان استعماري استيطاني، والفلسطينيين بجميع أطيافهم، بما هم السكان الأصليون لهذه الأرض.
يرى شلايم أن المشروع الصهيوني ما كان لينجح في تجاوز أكبر عائق أمامه، وهو وجود شعب فلسطيني يسكن الأرض منذ آلاف السنين، لولا الدور الحاسم الذي لعبته بريطانيا. فبريطانيا، حتى قبل أن تصبح القوة المنتدبة على فلسطين، ساهمت في تمهيد الطريق أمام الاستيلاء الصهيوني المنهجي على الأرض، من خلال سياسات دعم مباشر وغير مباشر. وعد بلفور عام 1917، الذي صدر بينما كانت فلسطين لا تزال تحت الحكم العثماني، منح أقلية يهودية «حقوقاً وطنية»، فيما تجاهل الحقوق السياسية للأغلبية العربية، التي شكّلت حينها نحو 90% من السكان. وصف الوثيقة للعرب بـ»المجتمعات غير اليهودية» يُظهر طابعها الكولونيالي بوضوح.
وفي عام 1922، أُعطي لبريطانيا صك الانتداب من عصبة الأمم، مع تضمين وعد بلفور فيه، نتيجة لضغط اللوبي الصهيوني، ورغم اعتقاد البعض أن ذلك حوّل الوعد إلى التزام قانوني، يرفض شلايم هذا الادعاء لسببين: أولاً، الانتداب خالف ميثاق عصبة الأمم الذي يشترط استشارة السكان، وهو ما رفضته بريطانيا. وثانياً، لأنها لم تكن تملك السيادة القانونية على فلسطين آنذاك. انطلقت الثورة الفلسطينية ضد الحكم البريطاني عام 1936، وردّت بريطانيا بقمع دموي منهجي، شمل الإعدامات والتعذيب والتدمير الجماعي، ما ألحق دماراً كبيراً بالبنية الفلسطينية وأسهم في إضعاف مقاومة المشروع الصهيوني. ويشير شلايم إلى رأي رشيد الخالدي، بأن خسارة فلسطين بدأت فعلياً في الثلاثينيات. في أواخر الأربعينيات، وبعد تصاعد العنف الصهيوني ضد البريطانيين، قررت بريطانيا الانسحاب. لكنها عارضت قيام دولة فلسطينية، ليس بسبب غياب التوافق على قرار التقسيم، بل بسبب عدائها لقيادة المفتي الحسيني، ما جعل معارضتها للدولة الفلسطينية ثابتة حتى بعد الانسحاب.
يرى شلايم أن الصراع العربي- الإسرائيلي هو في جوهره مواجهة بين حركتين وطنيتين: الصهيونية والفلسطينية. لكنه ظهر في شكلين: داخلي: بين مستعمرين وسكان أصليين على أرض واحدة، وإقليمي: بين إسرائيل والدول العربية المجاورة. بعد حرب 1967، بدأ الطابع الإقليمي لهذا الصراع بالتبدل، فرغم سلب إسرائيل الضفة الغربية من الأردن والجولان من سوريا، ورغم رفع شعار «لا اعتراف، لا تفاوض، لا سلام» خلال القمة العربية في الخرطوم، في العام ذاته، إلا أن الموقف العربي العام اتجه نحو «الضغط السياسي» على إسرائيل للانسحاب وإزالة الخيار العسكري عن الطاولة. تدريجياً، وبعد تطبيع مصر برئاسة أنور السادات ومن ثم الأردن – التي لطالما حافظ ملوكها على علاقات (سرية وعلنية) مع قادة الصهاينة – حتى اقتصرت المواقف العربية على مبادرة السلام عام 2002. غير أن هذه المبادرة ذات السقف المتدني، ومع غياب أدوات الضغط، تآكلت مع موجة التطبيع في 2020 عبر اتفاقيات إبراهام. أما المقاومة الفلسطينية فانحصرت في غزة والضفة الغربية.

من هنا يمكن إلى حد ما فهم منطق الإخفاقات العربية في التصدي للمشروع الاستعماري الصهيوني. فحتى في ذروة عصر القومية العربية مع الرئيس جمال عبد الناصر- الذي لا شك أنه رأى القضية الفلسطينية على أنها قضية قومية عربية – كان الانخراط العربي اقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً في النضال من أجل فلسطين (باستثناء الحركة الوطنية في لبنان، ولأسباب مادية خاصة) محكوماً بالمصالح الوطنية المحلية للدول العربية المنخرطة ـ أو بمصالح البورجوازيات العربية الحاكمة. أما الأردن، فيركز شلايم ملياً في كتابه «التواطؤ عبر الأردن»، على دور الملك عبد الله الأول، الذي أقام علاقات سرّية مع قادة صهاينة كابن غوريون وغولدا مئير، بهدف تقسيم فلسطين: دولة لليهود وتوسيع للحدود الأردنية. بعد انسحاب بريطانيا في مايو/أيار 1948، شجّعت الأخيرة عبدالله على احتلال الضفة الغربية، فتم تقسيم فلسطين فعلاً، دون إقامة دولة فلسطينية. بذلك، ضمِن الصهاينة عدم قيام حركة وطنية فلسطينية فاعلة، خاصة بعد تهجير 700 ألف فلسطيني خلال النكبة، التي يرى شلايم أن عبد الله لعب دوراً مركزياً فيها. أما في كتابه الجديد، يصف شلايم إسرائيل والأردن بـ»أفضل الأعداء» ويظهر استمرارية سياسة الملك عبدالله لدى ابنه حسين، الذي حافظ على العلاقات مع قادة إسرائيل، رغم أن ذلك لم يعينه على استعادة الضفة الغربية بعد حرب 1967.
لم تتشكل، خلال مرحلة ما بعد سقوط الدولة العثمانية، أمة عربية ذات هوية سياسية وأيديولوجية عامة جامعة (كما في الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال) ولا ذات بنى تحتية اقتصادية وعسكرية موحدة، ولذلك، فإن النتيجة التي وصلنا إليها اليوم بحيث يسمح للاحتلال بشن حرب إبادية على أهل غزة (وحتى الضفة)، دون أي تدخل فعال من قبل العرب، هي ليست مجرد فشل على مستوى القيادات، بل هي نتيجة منطق تقسيم العالم العربي إلى دول غير متكافئة من الناحية الاقتصادية ولا من ناحية الثقل السياسي، ما عنى بالضرورة أن تتشكل لديها مصالح قومية متضاربة، خاصة أن بعضها مجاور للاحتلال بينما لا يربط البعض الآخر بفلسطين أي حدود. في المقابل، يشدد شلايم على محورية رفض إسرائيل لأي حلول دبلوماسية من شأنها إنهاء الصراع (حتى لو كانت على حساب الفلسطينيين وباتفاق مع دول عربية)، وتفضيلها استخدام القوة، مع استغلال الجهود الدبلوماسية التي فُرضت عليها أحيانا من قبل حلفائها، لتظهر وكأنها راغبة في السلام، بينما تمضي قدما في سياسات الاستيطان وتشن الحروب المتتالية على غزة.
وإن كان ثمة درس يمكن استخلاصه من هذا الكتاب، إلى جانب التأكيد على أن ما ترتكبه إسرائيل في غزة هو بالفعل إبادة جماعية، فهو أن إسرائيل لم تتعامل يوما مع المبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى إنهاء الصراع، إلا بالرفض الصريح أو بالمماطلة والمراوغة. والسبب في ذلك دائما هو رفضها المبدئي السماح للفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة على ما تبقى من أرضهم، ورفضها القاطع لحل الدولة الواحدة، لأنه سيحوّل «إسرائيل» ديمغرافيا إلى «فلسطين» بشكل شبه فوري. وقليلا ما قدمت إسرائيل تنازلات للعرب، باستثناء إعادة سيناء لمصر، حتى بدت في الأعوام الأخيرة على أبواب الوصول إلى مرادها: وهو التطبيع غير المشروط. وساعدها على ذلك كون المجتمع الدولي إلى جانبها في تلك المرحلة، ففي حين حاولت دول عدة إيجاد سبل للتطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، إلا أن حق الفلسطينيين الوطني لم يكن حتى قيد النقاش. مثال على ذلك، القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة عام 1967، الذي طرح إعادة إسرائيل الأراضي التي احتلتها خلال الحرب من مصر والأردن وسوريا مقابل السلام، إلا أنه تجاهل حقوق الفلسطينيين السياسية، كما يشير الخالدي وشلايم، مشيراً إليهم فقط بـ»أزمة اللاجئين». رغم ذلك، قبلت كل من مصر والأردن بالقرار، فيما رفضته كل من سوريا وإسرائيل. بناء على هذا القرار، استعادت مصر لاحقاً، عقب حرب 1973 سيناء مقابل التطبيع عام 1979، إلا أن الأردن لم يستعد شيئاً من الضفة مقابل تطبيعه مع الاحتلال في عام 1994. أما بالنسبة لسوريا، فلم يكن يوماً من الوارد لإسرائيل أن تعيد ما احتلته من الجولان لأهميته الاستراتيجية. لم تنتظر إسرائيل طويلاً عقب انتهاء الحرب مع العرب للبدء ببناء المستوطنات في الضفة الغربية. ورغم توصل الاستشارات القانونية الإسرائيلية، حسب شلايم، إلى نتيجة أن بناء مستوطنات مدنية في الأراضي المحتلة سيكون مخالفاً لاتفاقية جنيف الرابعة، أبقيت الاستشارة سراً وتم تجاهلها بهدف بناء بنى تحتية مدنية واقتصادية وأيديولوجية يرسخ ويؤبد وجود الاحتلال في الضفة، حتى باتت فكرة قيام دولة فلسطينية اليوم على حدود 1967 من الناحية العملية مسألة غير قابلة للتصور.
واستمر هذا النهج الإسرائيلي حيال الحلول الدبلوماسية، رغم إعلان منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات عام 1988 اعترافها بإسرائيل وقبولها جميع قرارات الأمم المتحدة المرتبطة بفلسطين منذ نوفمبر/تشرين الثاني 1947. حتى اتفاقات أوسلو التي تعد بالنسبة لدعاة الحلول الدبلوماسية إنجازا كبيرا في تاريخ القضية الفلسطينية، فلم تكن لتتم، حسب شلايم، لولا «الانخفاض الكبير في الثمن الذي كانت تطلبه منظمة التحرير الفلسطينية، مقابل السلام». يشير شلايم إلى أن إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينها كان يرى العرب على أنهم تهديد عسكري، ولذلك تعامل مع قضايا المنطقة من منظور أمني بحت، كما أنه رغم استعداده لتقديم تنازلات في الضفة فإنه كان يفضل إعادة الأراضي المحتلة للأردن بدل إقامة دولة فلسطينية عليها. ويشير شلايم إلى أن الوفد الفلسطيني إلى أوسلو قدم التنازل تلو الآخر حتى تضمن الاتفاق النهائي الذي تم التوقيع عليه في البيت الأبيض عام 1993، غزة وأريحا في الضفة الغربية. وفي حين اعترفت منظمة التحرير بحق إسرائيل بالوجود في سلام وأمان لم تعترف إسرائيل سوى بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني وشريك مفاوضات. ولم يأت اتفاق أوسلو بكلمة عن حقوق الفلسطينيين الوطنية ولم يذكر حق العودة للاجئين الفلسطينيين، كما أنه تجاهل تماماً مسألة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة. يشير شلايم إلى أن مسألة إقامة دولة فلسطينية لم يتم التطرق إليها حتى من باب الوعد. كل هذه القضايا المفصلية تم تأجيلها لمفاوضات مستقبلية لم تحصل بطبيعة الحال. وفي حين أحرز بعض التقدم في أوسلو 2، الذي تم توقيعه في 1995 والذي فتح الباب أمام إقامة انتخابات لتعيين مجلس فلسطيني يمنح سلطات تشريعية كما قسم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، إحداها تقع تحت سلطة فلسطينية حصرية، ثانيها تقتصر السلطة الفلسطينية على الجانب المدني فقط، بينما ثالثها 60% من الضفة – تبقى تحت سلطة الاحتلال. بعد اغتيال رابين، واغتيال خلفه بيريس للقيادي في حركة حماس يحيى عياش، جاء عصر بنيامين نتنياهو ومن بعده إيهود براك وأرييل شارون، الذين رفضوا ما جاء في اتفاقي أوسلو لكونه يتنافى مع رؤيتهم وسرعوا عمليات الاستيطان، خاصة بعد الانسحاب الأحادي من غزة عام 2005 . ويذكر شلايم باستغلال إسرائيل للخلاف بين فتح وحماس، عقب فوز الحركة بالانتخابات التشريعية عام 2006 الذي انتهى بالتقسيم الفعلي للسلطة بين الضفة وغزة، إذ رأى الإسرائيليون في ذلك فرصة لصد أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية. كما يفصّل حروب إسرائيل على غزة، مؤكداً كون إسرائيل دوما البادئ. ويصف عدوان 2008 (الذي سماه الاحتلال بعملية الرصاص المصبوب بينما ألقت المقاومة عليه اسم معركة الفرقان) بالمذبحة أحادية الجانب. كما يشير إلى عدوان 2014 الذي جاء بعد توصل حماس وفتح إلى اتفاق أفضى عن تشكيل حكومة وحدة في الضفة وغزة. هذا العدوان كان، حسب شلايم، الأعنف على غزة، وجاء تحت قيادة حكومة نتنياهو التي أرادت: 1- تقويض الوحدة الفلسطينية بين الضفة وغزة، 2- معاقبة أهالي القطاع لانتخابهم حركة حماس، 3- إلحاق الهزيمة بالنضال الفلسطيني من أجل الحرية وتثبيت الوضع الاستعماري القائم. ويشير هنا شلايم إلى مصطلح «بوليتيسايد» أو «الإبادة السياسية» الذي استخدمه السوسيولوجي الإسرائيلي باروك كيمرلنغ ليصف سياسة نتنياهو حينها التي كان هدفها «تفكيك وجود الفلسطينيين ككيان اجتماعي، سياسي، واقتصادي شرعي». تعاملت إسرائيل مع حركة حماس كما فعلت مع منظمة التحرير في السابق على أنها منظمة إرهابية لا يمكن التفاوض معها. وتحججت بأن هدف الحركة هو إبادة اليهود، وهو في الواقع أمر لا أساس حقيقيا له، خاصة بعد تحول الحركة إلى حزب سياسي وفوزه في الانتخابات التشريعية. ويشير شلايم إلى أنه في حين لم تعدل الحركة ميثاقها قبل عام 2017، إلا أن قادتها أعربوا بشكل مستمر عن استعدادهم لقبول دولة فلسطينية بحدود 1967. ولكن بالنسبة لإسرائيل، خاصة في عهد نتنياهو، كانت السياسة الإسرائيلية لمنع قيام دولة فلسطينية تعتمد على تصوير الحركة على أنها ذات عقلية إبادية. هذه السياسة، حسب شلايم، تمثلت بالحفاظ على الوضع القائم عبر فرض حصار اقتصادي وعسكري شامل على غزة، وشن حروب دورية يصفها الإسرائيليون بـ»جز العشب» هدفها المعلن الحد من قدرات المقاومة، إلا أنها تستهدف بشكل رئيسي السكان والبنى التحتية المدنية، لمحو أي احتمال للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في القطاع. وعلى مستوى كلي، استمرت إسرائيل بالتلاعب بالتوازنات الفلسطينية وعرقلة أي جهود للتوصل إلى تفاهمات قد تعيد توحيد الموقف بين الضفة وغزة. في السنوات الأخيرة بدت سياسة نتنياهو وكأنها حققت مبتغاها، خاصة توصل إسرائيل لاتفاق تطبيع مع عدد من الدول العربية في إطار اتفاقات إبراهام، دون مقابل أو تنازل حيال منح الفلسطينيين حقوقهم. ويصف شلايم هذه الاتفاقات بـ»الخيانة للموقف العربي التاريخي من فلسطين»، ومحاولة أمريكية لتعزيز «الاستقرار» في المنطقة عبر تجاوز الفلسطينيين بشكل كامل.

من هنا، يرى شلايم أن عملية طوفان الأقصى جاءت رداً على هذا النهج وإثباتاً لاستمرارية المقاومة رغم التبدلات الإقليمية. ومن بين أهداف هذه العملية، كان أيضاً منع السعودية من توقيع اتفاق تطبيع مع إسرائيل تحت ضغوط أمريكية، دون ضمان إقامة دولة فلسطينية، الأمر الذي كان ليضمن اندثار احتمالات حصول الفلسطينيين على أي من حقوقهم السياسية. كما أنه كان سيقطع أي علاقة بقيت بين القضية الفلسطينية وعروبتها، أي أنها كانت ستتحول إلى مسألة أمنية إسرائيلية داخلية، كما كان يراها إسحاق رابين وغيره. أما لناحية مستوى الوحشية التي اتسمت بها الحرب الإسرائيلية على غزة بعد طوفان الأقصى وتمديدها اللامتناهي، يرفض شلايم المقولات التي تحيل ذلك لرغبة نتنياهو في تفادي الملاحقات القضائية أو المحاسبة، أو رضوخه لضغوط اليمين المتطرف، مؤكداً أنها تعبير عن «مشروع أيديولوجي وسياسي راسخ عمره عقود»، ويعكس «دعماً مؤسسياً من الجيش والمخابرات، ويستند إلى تأييد شعبي واسع يرى في العنف وسيلة مشروعة وضرورية». كما يشير شلايم إلى أن نتنياهو ينتظر منذ عقود «حربًا كبرى قد تمنح إسرائيل الغطاء اللازم لتنفيذ عملية طرد جماعي للفلسطينيين من الضفة الغربية.» ويستند شلايم إلى ما قاله نتنياهو عام 1977 للمؤرخ البريطاني ماكس هاستينغز: «في الحرب المقبلة، إذا لعبناها بشكل صحيح، ستكون لدينا فرصة لطرد كل العرب، يمكننا تطهير الضفة الغربية، وتسوية موضوع القدس». ومنذ بدء الحرب، يستغلّ جيش الاحتلال انشغال العالم بغزة لتنفيذ أكبر حملة عسكرية في الضفة منذ عقود، استهدفت مدنًا ومخيمات لاجئين ودمّرت البنية التحتية المدنية بهدف تهجير السكان.
يؤكد شلايم أن هذه الحرب ليست حدثاً منعزلاً، بل لحظة في مسار تاريخي بدأ مع نشأة دولة استعمارية استيطانية، تستند في منطقها إلى مبدأ «إزالة السكان الأصليين». لم يبدأ التطهير العرقي للفلسطينيين في 8 أكتوبر/تشرين الأول أو بعد استشهاد هذا العدد من الفلسطينيين أو ذاك، بل في عام 1948 ولن ينتهي، إذ يستمر في تطوره ليصل إلى الإبادة الجماعية اليوم في مشهد تتجلى فيه الطبيعة الحقيقية للاستعمار الصهيوني».





