تحول استراتيجي في موقف جنوب إفريقيا من قضية الصحراء المغربية: قراءة في دلالات زيارة زوما للرباط

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم بايطاليا

 

 

في تطور مفاجئ وغير تقليدي، حلّ الرئيس الجنوب إفريقي السابق، جاكوب زوما، بالعاصمة المغربية الرباط، حيث أجرى لقاءً وصف بالمهم مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة. زيارة تحمل في طياتها إشارات دبلوماسية قوية وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاعل السياسي بين المغرب وجنوب إفريقيا.

ورغم أن زوما لا يتولى منصباً رسمياً داخل الجهاز التنفيذي للدولة، فإن حضوره على الساحة السياسية لا يزال قوياً، خصوصاً بعد قيادته لحزب “أومكونتو ويسيزوي”، الذي صعد ليصبح القوة السياسية الثالثة في البرلمان الجنوب إفريقي عقب الانتخابات الأخيرة. هذا الحزب لم يتردد في اتخاذ مواقف جريئة، أبرزها إعلانه الواضح بدعم مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، واعتباره الحل الأكثر واقعية وفعالية لحل النزاع الذي طال أمده.

هذا الموقف الجديد يُعد خروجاً واضحاً عن الخط السياسي التقليدي الذي سارت عليه جنوب إفريقيا لعقود، وهو دعم جبهة “البوليساريو” دون تحفظ، تحت تأثير إرث التضامن الأممي مع قضايا التحرر. لكن يبدو أن مفاهيم السيادة والوحدة الترابية بدأت تأخذ موقعها ضمن أولويات الفاعلين الجدد في السياسة الجنوب إفريقية، بعيداً عن الخطاب الأيديولوجي الجامد.

ومن الناحية الرمزية، فإن زيارة زوما تأتي في سياق إفريقي ودولي يشهد تحولات عميقة، خصوصاً في مواقف عدد من الدول الإفريقية التي بدأت تعيد النظر في اصطفافها السابق، من بينها كينيا، غانا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، ناهيك عن الموقف البريطاني المعلن مؤخراً، الذي أكد دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

أما من جهة الرباط، فإن هذا الانفتاح على زوما يعكس دينامية دبلوماسية جديدة قائمة على استثمار الفرص وتوسيع الهوامش، في إطار احترام السيادة المتبادلة والمصالح الاستراتيجية المشتركة. فالمغرب، كما أظهر في السنوات الأخيرة، يتفاعل بذكاء سياسي مع التحولات الإقليمية، مستفيداً من متغيرات المشهد القاري والدولي لتعزيز قضيته الوطنية.

وفي ضوء هذه التطورات، يمكن القول إن الدبلوماسية المغربية نجحت في كسب نقاط حاسمة، ليس فقط عبر دعم معلن من أحد أبرز الشخصيات السياسية في جنوب إفريقيا، بل من خلال إحداث تصدّع داخل الجبهة الصلبة التي طالما وقفت إلى جانب الطرح الانفصالي، خاصة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي.

يبقى أن نتابع ما إذا كانت هذه الزيارة ستكون مجرد موقف فردي، أم بداية لتحول أعمق في العلاقات المغربية الجنوب إفريقية، ضمن مشهد إفريقي يعيد ترتيب أوراقه بحذر في ظل الأزمات الاقتصادية، وتقلبات التحالفات، وعودة الصراع على النفوذ.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...