أمين اضريف

صدرت حديثا عن دار سليكي الأخوين -طنجة/المغرب، رواية “حلم أمكنة” للكاتب الحبيب ناصري، وتقع في232 صفحة، وهي ثاني عمل إبداعي/سردي له بعد المجموعة القصصية “ما أضيق العيش لولا فسحة الحذاء” الصادرة سنة 2023، إلى جانب مؤلفات نقدية: “جماليات الحكي في التراث العربي الشعري”، و”الهجرة في السينما المغربية”، و”جماليات الفيلم الوثائقي (أشلاء نقدية)”، و” السينما والتربية”… بالإضافة إلى كتابة وإخراج مجموعة من الأفلام الوثائقية.
تتكون الرواية من ثلاثة فصول، مصدّرة باستهلال عنونه الكاتب بـ: ما قبل الحكي. الفصل الأول: حينما تبحث الأمكنة عن طفولتها، والفصل الثاني: حينما تبحث الأمكنة عن لذتها، والفصل الثالث: حينما تبحث الأمكنة عن معرفتها. واختُتمت الرواية بمقطع معنون بعتبات أخيرة. هذه الأمكنة التي وقف عندها الكاتب -كما جاء في الغلاف الخلفي للرواية- “هي مجرد أمكنة حالمة… أشلاء روائية.. بقايا سردية من زمن مضى.. فيه كان الرفاق متعلقين بخيط الروح… يسائلون الهوى ويمزقون حروف القهر … راح ليلهم البهيج، ولم يبق منه غير رسمهم النحيف. إنهم يبحثون عما تبقى من شظايا حبيبات الأمل الساكنة في أتربة الألم… لعلهم يقبضون على ما تبقى من حلم تائه في زمن معتوه…”
بلغة ميتاسردية يستهل الحبيب ناصري روايته في الاستهلال -ما قبل الحكي- بالوقوف عند إرهاصات تفكيره في كتابة هذه الرواية، وجدوى كتابتها، لينقل القارئ إلى الفصول الثلاثة من الرواية في رحلة إلى أمكنة سكنته ووشمت ذاكرته.
الفصل الأول – حينما تبحث الأمكنة عن طفولتها – يحكي الراوي فيه سياق ولادة الشرقي/البطل بمدينة وادي زم، الذي رافق وفاة الملك الراحل محمد الخامس، ويقف عند ذكريات الشرقي بهذه المدينة وعلاقاته بأسرته، ومغامراته رفقة أخيه. بهذه المدينة قضى أجمل أيام طفولته وبداية شبابه إلى أن حصل على الباكلوريا.
ينتقل الشرقي في الفصل الثاني – حينما تبحث الأمكنة عن لذتها- إلى مدينة مراكش للدراسة بالجامعة، ستسحره هذه المدينة بأمكنتها وجوّها وناسها..، وستنمي شخصيته العلمية والمعرفية..، لتتوج هذه المرحلة الجامعة بحصول الشرقي على الإجازة التي خولت له اجتياز مباراة التعليم التي سينجح فيها ويلتحق بمدينة الدار البيضاء لقضاء السنة التكوينية.
الفصل الثالث -حينما تبحث الأمكنة عن معرفتها- سيحكي أبرز أحداث السنة التكوينية التي قضاها الشرقي بالدار البيضاء، ويصف مدينة خريبكة -التي عُيّن بها بعد التكوين- ومنشآتها الثقافية التي سيحاول بها نسيان سحر فضاءات مراكش، بهذه المدينة سيتذكر أول مرة ولج فيها سينما كوليزي بوادي زم، سيزداد عشقه للسينما أكثر، وسيؤسس فيما بعد جمعية المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي.
بعد حصوله على أجرته الأولى وأجرة الشهور المتأخرة، سيسافر لفرنسا -مرورا بإسبانيا- في هذه الرحلة سيزور أيضا سويسرا وإيطاليا، سيتعرف على طبائع الآخر، وسيرافقه في هذه الرحلة سؤال: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ سيزور إحدى المدراس السويسرية، وسيجد فيها أن التعلم لعب ومتعة وترغيب في الحياة، لامس الفروق بين الأنا والآخر، وتحسس ملامح أجوبة للسؤال الذي ظل يلازمه في طول رحلته المكانية/السردية.
عتبات أخيرة. . . بهذا العنوان يختم الكاتب الرواية، باستفاقة الشرقي -كما ورد في الصفحة الأخيرة من الرواية- “على إيقاع صيحة زوجته، وهي تخبره، بسماعها لصوت غريب، خلف جدار البيت. نهض من نومه.. أخبرها أنه شاهد في حلمه فيلما ورائيا طويلا.. ضحكت وسألته ومن أخرجه؟. أجابها: -مخرج عاشق للمزج بين ما يمزج ولا يمزج، لكن هل من منتج قادر على ركوب هذه المغامرة؟. “بهذا الحلم تنتهي الرواية، حلم/رحلة أمكنة نقل دفأها للقارئ، ونقل معها ذكرياته الجميلة، وأسئلته حول الفن والثقافة.
بدأت أحداث الرواية بسياق ولادة الشرقي، وطفولته التي قضاها بمدينة وادي زم، والذكريات التي عاشها بالبيت الذي نشأ فيه، واختُتمت باستيقاظه من الحلم. وقد أدت آلية الحلم دورا سحريا في تشييد معمارية الرواية وإبراز جماليتها. وفي هذا السياق يقول غاستون باشلار في كتابه: جماليات المكان “إذا كنا نحتفظ بعنصر الحلم في ذكرياتنا، وإذا تخطينا مجرد تجمع ذكرياتنا، فإن البيت الذي ضاع في ضباب الزمن سوف ينبثق مرة أخرى من جوف الظل. ونحن لا نفعل شيئا لإعادة تنظيمه، فمن خلال الألفة يستعيد البيت هويته، خلال صقل وعدم تحدد الحياة الداخلية. ويبدو وكأن مادة سائلة قد جمعت ذكرياتنا وكأننا نحن أنفسنا قد ذبنا في هذه المادة السائلة”.
من هذا المنطلق، يعيد الكاتب بناء وقائع وأحداث الرواية وفق رؤية تنهل من مقومات أدبية تتماشى والطرح الما بعد حداثي، وتنحو منحى التخييل الذاتي الذي يستند في تخييله إلى وقائع حقيقية للكاتب. فالتخييل الذاتي يقع بين منزلتي الرواية والسيرة الذاتية، فهو يستمد من الرواية حرية التخييل في بناء الأحداث والشخصيات والأمكنة..، ويستمد من السيرة الذاتية مركزية الذات والمرجع في العملية السردية.
رواية “حلم أمكنة”، تجربة إبداعية جديدة في مسيرة الكاتب الحبيب ناصري، الذي تسلك أعماله الإبداعية والنقدية.. مسالك متنوعة: كالقصة القصيرة، والدراسات النقدية، والسيناريو، والأفلام الوثائقية..، هذا المسار الغني والمتنوع، يعكس الرؤية المتفردة في تقديم/مقاربة قضايا تمس المجتمع وهمومه، عبر فتح الباب لأسئلة تمس حياة الإنسان ووجوده، لأن أغلب أحداث الرواية تقودنا إلى طرح الأسئلة، ولا تقدم الأجوبة للإشكالات التي تواجه البطل، وهي دعوة من الكاتب إلى بناء ونشر ثقافة السؤال.





