عبد الله النعمة
حاصل على الدكتوراه في تقاطع مؤسسات التنمية، الحوكمة المؤسسية، والثقافة المجتمعية.
قيادي في الصناعة والتنمية لمدة تجاوزت الأربعين عاماً.
لفهم طبيعة العاصفة، قد يكون من المفيد أحياناً تأمّل بحر هادئ. وفي خضم “الطوفان الثقافي” الذي يجتاح المجتمعات الغربية ويهدّد بتفكيك توازناتها القديمة، تقدّم لنا الصين، بتاريخها المختلف ومسارها المغاير، مرآةً لا غنىً عنها. إنها ليست مرآة نرى فيها انعكاس صورتنا، بل هي “صورة معاكسة” (Negative Image) تكشف لنا، من خلال التباين الحادّ، خصوصية الأزمة التي يعيشها الغرب وتفردها. .. والتحليل المقارن للنموذج الثقافي الصيني لا يهدف إلى تفضيله أو إدانته، بل إلى استخدامه “مجموعةً ضابطةً” (Control Group) لفهم سؤالنا المحوري: لماذا يبدو النموذج الصيني قادراً على تحقيق حالة من “التوازن الثقافي” الداخلي، بينما يتصدّع النموذج الغربي تحت وطأة “عدم توازن” عميق تغذيه حرب أهلية بين “ثقافة الولاء” المؤسّسية و”ثقافة العدالة” التي ولدت من رحمه؟
على خلاف الصين، لا تُقدَّس في الغرب “ثقافة العدالة” الصاعدة الأجداد، بل تحاكمهم
لفهم قوة التماسك في النموذج الصيني، يجب النظر إلى أسسه الثقافية التي تشكّل درعاً واقيةً من نوع الصراعات التي تمزّق الغرب، فهناك أولاً مرساة التاريخ وتقديس الأجداد، إذ على عكس الغرب، حيث أصبح التاريخ ساحة معركة مفتوحة، يقوم جزء كبير من الاستقرار الصيني على تقديس “ميراث الأجداد”. هذه الفلسفة، المتجذّرة في الكونفوشيوسية، لا تمثل مجرّد احترام للماضي، بل تعمل بوصلةً أخلاقيةً و”ديناً بديلاً” يوحّد المجتمع. الخوف من “غضب الأجداد” هو رادع داخلي يضبط سلوك الفرد لصالح الجماعة، وينتج شعوراً بالاستمرارية والواجب تجاه خطّ طويل من الأجيال. إنها علاقة تصالحية مع التاريخ، إذ يُنظَر إليه مصدراً للحكمة والقوة، لا عبئاً من الخطايا يجب التكفير عنها. وهناك ثانياً ذاكرة الإذلال قوةً موحِّدة. تمتلك الصين ذاكرة تاريخية حيّة لـ”قرن الإذلال” (1840-1949) على يد القوى الاستعمارية الغربية واليابان. هذه الذاكرة لا تعمل عاملَ تفكيك داخلي، بل على العكس تماماً، تُستخدَم “غراءً لاصقاً” يوحّد الأمّة خلف الدولة. إنها توجّه أيَّ شعور بالظلم أو المظلومية نحو الخارج، نحو القوى التي أذلّت الصين تاريخياً، ممّا يعزّز التماسك الداخلي، ويبرّر الحاجة إلى دولة قوية قادرة على حماية الكرامة الوطنية ومنع تكرار الماضي.
أمّا عن مركزية الدولة وبراغماتية الحكم (وهو ثالثاً)، فتضع فكرة الصين “الدولة الوسطى” (Zhōngguó) الدولة في قلب المنظومة الثقافية والسياسية. لا يترك هذا فراغاً كبيراً للصراعات الأيديولوجية الحادّة التي نشهدها في الغرب. ويُدعم هذا الدور المركزي بعقلية براغماتية عميقة، لخّصها دينغ شياو بينغ بمقولته: “لا يهم لون القط، المهم أن يصطاد الفئران”. هذه البراغماتية، التي تتجنّب التنظير المطلق، وتعتمد سياسة التجربة والخطأ (“تحسّس الأحجار عند عبور النهر”)، تمتصّ كثيراً من الصدمات وتسمح للدولة بإدارة التغيير بشكل تدريجي ومسيطر عليه، بدلاً من تركه يتحوّل طوفاناً شعبياً.
عندما نضع هذه الركائز الصينية أمام المشهد الغربي، نرى صورةً معاكسةً تماماً، تكشف لنا أسباب “عدم التوازن” الذي ندرسه. لا تقدس في الغرب “ثقافة العدالة” الصاعدة الأجداد، بل تحاكمهم. إنها تقوم على نقد جذري لتاريخ الاستعمار والعبودية والفصل العنصري. هذا “النقد للأجداد” يحوّل التاريخ من مصدر فخر مشترك إلى ساحة معركة ثقافية، فيستخدم كلّ طرف حقبة تاريخية مختلفة سلاحاً ضدّ الآخر، ممّا يمزق النسيج الاجتماعي بدلاً من توحيده. وعلى عكس الصين، فإن الذاكرة التاريخية التي تحرّك “ثقافة العدالة” الغربية ليست ذاكرة إذلال تعرّض له الغرب، بل ذاكرة إذلال مارسه الغرب على الآخرين. هذه الذاكرة لا توحّد الأمّة ضدّ عدو خارجي، بل تستخدم أداةً للنقد الذاتي والتكفير عن الذنوب، ممّا يغذّي الشعور بالذنب التاريخي ويضعف شرعية المؤسّسات القائمة التي يُنظر إليها امتداداً لهذا الماضي.
المقارنة مع الصين لا تعني أن نموذجها خالٍ من المشكلات أو أنه نموذج مثالي، بل تكشف طبيعة تحدّيات مختلفة جذرياً
وبدل أن تكون الدولة في الغرب المركز المُوحِّد، أصبحت الدولة ساحة الصراع الرئيسة. “ثقافة الولاء” تحاول استخدام مؤسّسات الدولة (القانون، الشرطة، الدبلوماسية) للحفاظ على النظام القديم، بينما تحاول “ثقافة العدالة” اختراق هذه المؤسّسات (الجامعات، الإعلام، القضاء، النقابات) أو تحدّيها من الخارج لتغيير النظام. الدولة لم تعد الحَكم، بل أصبحت هي الجائزة التي يتقاتل عليها الطرفان.
لا تعني المقارنة مع الصين أن نموذجها خالٍ من المشكلات أو أنه نموذج مثالي، بل تكشف أن طبيعة التحدّيات مختلفة جذرياً. التحدّي الصيني هو تحدّي قوة متماسكة داخلياً في مواجهة عالم خارجي. أمّا التحدّي الغربي، فهو تحدّي منظومة تتآكل من الداخل، فالقيم التي أنتجتها (الحرية، العدالة، حقوق الإنسان) هي نفسها التي تُستخدم الآن لتفكيك أسسها التاريخية والمؤسّسية.
النموذج الصيني يمثّل “ثقافة ولاء” ناجحة ومتماسكة حول ذاتها وتاريخها. أمّا ما نشهده في الغرب فهو انهيار “ثقافة الولاء” التقليدية تحت ضغط “ثقافة العدالة” التي ولدت من أحشائها. إن فهم هذا التباين يجعلنا ندرك أن “الطوفان الثقافي” ليس ظاهرةً عالمية حتمية، بل هو أزمة غربية بامتياز، أزمة مجتمع يبحث عن توازن جديد بين قيمه وممارساته، بين ما يقول إنه يؤمن به وما فعله عبر التاريخ. ويبقى الرصد مستمرّاً.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





