جدلية المثقف والمعارضة والسلطة وإسقاطاتها عربياً

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

أسامة أبو ارشيد
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في واشنطن

 

دائماً ما كانت العلاقة بين المثقف والسلطة مُلْتَبَسَة، كان ذلك الحال في القدم وهو كذلك اليوم. تاريخياً، اتسمت العلاقة بين المثقف والسلطة بطابع جدليّ، تتراوح بين المعارضة والتصدي لها، والتعاون، بل وحتى التواطؤ معها والعمالة لها والتحول إلى أداة من أدواتها. ولذلك، كثيراً ما مررْنا، ونمر، على مثقفين ملتزمين مبدئياً وأخلاقياً. وبالتالي، تمَّ ويتم تهميشهم واستهدافهم، ولكنهم قد يجدون احتضاناً دافئاً من الجماهير، إذ قد يكونون يتحدّثون باسمهم ويعبرون عن همومهم. لكن، حتى هذا الاحتضان الجماهيري الدافئ قد يُحْرَمُ منه المثقف الملتزم، إذ إن نسبة واسعة من الجماهير قابلة للتعبئة والتجييش وتحويلها إلى طوابير من الدهماء بأمر من السلطان وأبواقه الإعلامية وقلبها ضد المثقف الملتزم بذرائع شتى، مثل الزندقة والهرطقة والعمالة والفساد والسعي إلى الإفساد… إلى غير ذلك. أيضاً، كثيراً ما مررْنا ونمرّ على مثقفين قبلوا على أنفسهم أن يكونوا من أبواق السلطة المهيمنة في سبيل تحقيق مصالح شخصية، أو حتى رهبة من صولجانها. وبالتالي، تصبح تلك علاقة جدلية تبادلية، بين المثقف والسلطة، أين يتحوّل هؤلاء المثقفون إلى “سحرة فرعون” في تثبيت حكمه وسرديته وتبرير قمعه وفساده، ويكون الثمن المقابل أن يكونوا هم من “المقرّبين” والمستفيدين من بنى السلطة والفرص التي تتيحها. بكلمة أخرى، هناك مثقف ملتزم، أو “مثقف عضوي”، حسب تعبير الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، وهناك مثقف انتهازي ومصلحي خائن لالتزاماته المبدئية والأخلاقية.

يضيف الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو بعداً آخر في جدلية المثقف والسلطة، إذ إنه يعدّ المعارضة السياسية صنو المثقف من ناحية الدور المفترض الذي تؤديه. وحسب مقاربة فوكو هنا، فإنه إذا كان وجود السلطة السياسية ضرورة لتنظيم المجتمعات ومنع انزلاقها نحو الفوضى، إلا أنها قد تؤدّي أيضاً إلى تفاوت طبقي وامتيازاتي بين أصحاب السلطة والخاضعين لها. تؤدي هذه الحالة إلى نشوء وضعية من التشبث بالسلطة والتعسف في توظيفها للحفاظ على تلك الامتيازات، وهو ما يؤدي في المقابل إلى بروز معارضة، كاستجابة اجتماعية، لإعادة ضبط جدلية العلاقة والتوازنات بين السلطة والمجتمع. ويرى فوكو أن المعارضة بهذا المعنى تصبح فاعلاً لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه، ذلك أنها تُحدِث حالة ديناميكية من التوازن مع السلطة، بما يسهم في استدامة النظام السياسي وتعزيز شرعيته، إلا أن مقاربة فوكو لا تقف عند هذا الحد، إذ إنه لا يعتبر السلطة قمعية فحسب، بل هي إنتاجية تساهم في تشكيل الفكر والمعرفة أيضاً، وبالتالي، محاولة فرض ما تراه مشروعاً وما تراه غير مشروع. واستطراداً، فإن مثقفين ومعارضين كثيرين يتحولون بإرادتهم موظفين فيها ولديها. وانطلاقاً من ذلك، تعمل السلطة على تحديد من هو المثقف (المعارضة) المقبول(ة) الذي تُغدق عليه(ا) الأعطيات، ومن هو “المثقف الملعون” (حسب تعبير فوكو) (المعارضة الملعونة) الذي (التي) يتم استبعاده(ا) وتشويه سمعته(ا) واضطهاده(ا). ويذهب فوكو خطوة أبعد من ذلك عندما يقرّر أن السلطة كثيراً ما تعمل على منع المثقف أو المعارضة من مناقشة قضايا معينة في الفضاء العام ذلك أنها تعريها وتفضحها وتهدم السردية المزيفة التي تحاول ترسيخها في وعي الجماهير عبر أبواقها الإعلامية أو مثقفيها المتواطئين، أو المعارضة الشكلية التي صُنِعَتْ على عينٍ منها.

هناك مثقف ملتزم، أو “مثقف عضوي”، حسب تعبير غرامشي، وهناك مثقف انتهازي ومصلحي خائن لالتزاماته المبدئية والأخلاقية

نعود إلى غرامشي ومفهوم “المثقف العضوي” الذي طرحه. حسب غرامشي، يبنغي أن يكون المثقف منتمياً إلى النسيج الاجتماعي الذي يخاطبه، ومن ثمَّ نجد أنه يشدّد على ضرورة أن يكون المثقف منخرطاً في حركات وطبقات اجتماعية محدّدة، كطبقة العمال، للنضال عبرها والعمل على تغيير البنى المجتمعية الإكراهية التي فرضتها السلطة بقوتها الغاشمة. هذا المعطى مفهوم أن يأتي من غرامشي كفيلسوف ماركسي. لكن، وكما أشرنا سابقاً، لن تعدم السلطة الوسيلة لاستقطاب مثقفين أو معارضين إلى صفها، رغبة أم رهبة، بطريق الرشوة أم بطريق القمع، بل، وحتى عبر إتاحة المجال لهم لادّعاء وطنية أو قومية زائفة مزعومتين. حينها يسقط هؤلاء المثقفون والمعارضون في ضمير الناس ووعيهم، إذ إنه سينظر إليهم كخونة، ذلك أن الجماهير، كما يقول فوكو، قادرة على الاستغناء عنهم، إذ إنها (الجماهير) تعرف تماماً ماذا يجري، بل إنها تعرف ذلك بشكل أفضل من المثقفين والمعارضين. ومع ذلك، لا ينبغي أن تُنسينا معرفة الجماهير أمرين مهمّين هنا: أولهما، أن وعي وضمير نسبة معتبرة منها قابلان للاختطاف من السلطة ومثقفيها ومعارضيها الانتهازيين. والثاني، أن غالبية الجماهير المحصنة وعياً وضميريّاً ضد الاختطاف والتلاعب قد لا تجد طريقة أو قدرة للتعبير عن ما تؤمن به ورفض مزاعم السلطة وتزييفه، رهبة من قمعها وسطوتها.

لا أريد الاستطراد أكثر من ذلك في النقاش الفلسفي لجدلية علاقة المثقف (المعارضة) والسلطة، بقدر ما هي دعوة إلى إسقاط تلك المفاهيم مجرّدة على كثير من تفاصيل واقعنا العربي الآسن والمخزي في آن. خذ، مثلاً، حرب الإبادة الإسرائيلية-الأميركية في قطاع غزّة، وكيف تقوم بعض الأنظمة العربية بتزوير حقيقة مواقفها المتواطئة أو المُساهِمَةِ فيها. لا تقف بعض الأنظمة العربية عند ذلك الحد، بل إنها تخلق سرديات مزيفة عن ما تزعمه من مدِّ يد عون تقدمه لضحايا الإبادة، ثمَّ تطلق أبواقها الإعلامية، والمثقفين الانتهازيين المحسوبين عليها، والمعارضة التي صنعتها على عينها، ليهللوا ويصفقوا لها، في حين تمنع المثقفين العضويين والمعارضة الوطنية المُلْتزِمَةِ من كشف الحقائق وتعريتها. ومن تجرأ على فعل ذلك وجد اتهامات الخيانة و”نكران الجميل” جاهزة ومعدّة من أبواق السلطة وأدواتها، في حين تتفنّن الأخيرة في ممارسة هوايتها المفضلة: القمع والسحق. لكن، على السلطة ومن وافقها من مثقفيها الانتهازيين ومعارضاتها الشكلية أن يتذكّروا أن جلَّ الجماهير أوعى وأذكى منهم، وهم وإن لم يقدروا على البوح بحقيقة دواخلهم اليوم، إلا أنهم يختزنون غضباً عارماً يوشك أن يتفجر، وحينها لن يمنع طوفانه شيء، ولن يحد من قوة جرفه أي سدود أو رُدومٍ تُشَيّد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...