د. ابتهال الخطيب
كم مرة شعرتم بالجوع، وكم من هذه المرات كان هذا الشعور مؤقتاً، أي أنه إما بسبب الانشغال الذي منع تناول الطعام، أو بسبب الصيام، أو بسبب ممارسة حمية غذائية أو نزولاً عند أوامر طبية؟ هل تتذكرون هذا الشعور بقسوته رغم درجته الطفيفة ورغم معرفة أنه مؤقت وزائل؟ لربما لا يوجد شعور أقسى من الجوع سوى التجويع، المنع المتعمد للقمة التي «تصلب الطول» وتسد الرمق وتهدئ أوجاع المعدة التي تبدأ بالتآكل وهضم نفسها جراء الحرمان مما قد يهبط فيها ليسكن أوجاعها.
والجوع ليس ألماً فقط، الجوع ليس شعوراً بالعذاب والحرمان والرغبة الحارقة التي تدور في ثنايا الجسم وفي ممرات العقل وكأنها سم بطيء يأكل الروح قبل الجسد فقط، إنما الجوع هجمة شرسة على المشاعر وعلى المنطق وعلى الغريزة الإنسانية الخيرة في الإنسان. الجوع حرب نفسية وأخلاقية على الجائع، يتصارع إبان هجمته مع نفسه، مع مبادئه وأخلاقيته، وهو صراع خاسر بلا شك، ذلك أنه إما أن ينتهي بتوحش هذا الإنسان وانقلابه على نفسه وعلى أخلاقيات إنسانيته الأساسية وعلى بشرية علاقاته مع أقرب الناس إليه، أو ينتهي بانتهاء هذا الإنسان بحد ذاته وفنائه. الجوع لا يخسر معركة أبداً، فهو لا يترك من يصيب حتى يخليه نفسياً ويفنيه جسدياً بلا رحمة ولا شفقة.
والجوع هو أبو الخطايا المبررة، ولأننا كلنا نعرف، ولو تجريدياً، أوجاع هذا الشعور وإن لم نجربه جميعاً بحدته القاتلة، فقد تعارفنا جميعاً على غفران أخطائه وتفهم مسلك صاحبه مهما تطرف أو توحش، حتى إن الكثير من الأديان تعاطفت مع «خطايا» الجائع واعتبرتها مبررة ومغفورة ما لم يجد المحتاج ما يسد به رمقه. هذا الجوع، هذا الشعور الحارق الذي يقتل في الإنسان قدرته على المنطَقة والتفكير، على التواصل العاطفي، على التفاعل الأخلاقي، هذه الحاجة التي تدفع بالجسد لأكل نفسه وبالروح لفقدان كل دوافعها الغريزية للاستمرار في الحياة ولمساعدة الآخرين كذلك على الاستمرار في الحياة، هذا الشعور الذي يصغر أمامه كل كبير وينهار أمامه كل قوي وتتشظى أمامه كل روح مهما قَوَت وصلبت، هذا هو السلاح المتجدد الأخير الذي يهاجم به الصهاينة أهل غزة، كبارها وأطفالها، المنكوبين مقدماً، النازحين هرباً من قصف عنيف لآخر أكثر عنفاً، الساكنين لمخيمات لا تستر ولا تحمي لا من شمس ولا من برد ولا من مطر، المنهكين جسدياً بالتنقل المستمر في بقعة لا تزال تصغر عليهم يوماً بعد يوم، ونفسياً بالفقد المستمر للآباء والأمهات والأبناء والأحبة، يدفنونهم وهم يتنقلون هرباً من أعتى وأشرس ما عرفت البشرية من متفجرات، حتى باتت أرض غزة مقبرة طاهرة كبيرة، لكل غزي حبيب مدفون في ناحية من أنحاء بقاعها.
تخيل أنك تدفن حبيباً، تحزم متاعاً هزيلاً، تنام في مدرسة مهجورة، تصحو على قنبلة شرسة لم تعرف البشرية لها مثيل ضراوة تضرم في ملجئك ناراً، تشهد حرق جيرانك أحياء دون القدرة على المساعدة، ترقب يد زوجتك أسفل ركام ثقيل لا تقوى على تحريكه، تحزم متاعك مجدداً لتنقذ الصغير الذي بقي هو وأخته لك في الحياة، تدفن هذا الصغير بعد أن يناله قناص عند أحد مقار توزيع المساعدات، تنتقل من جديد هذه المرة بصغيرتك الوحيدة على كتفك، تناظر بعينين ذابلتين، الصغيرة تضمر يوماً بعد يوم، تعطب قدمك وتنهار صحتك، لكن تسبقك الصغيرة للموت، تدفن الصغيرة في بقعة بعيدة عن أمها وأخيها، تحزم ما بقي من بقايا المتاع وتتحرك مجدداً، كل هذا وأنت تتضور جوعاً شرساً لم تعرف له مثيلاً من قبل. هذا ما يحدث في غزة الآن تحت مسمع ومرأى العالم «المتحضر الإنساني» اليوم.
وعلى الرغم من البسالة والأخلاقية التي لا يزال يحارب بها أهل غزة ظروفهم الضارية، فإن هذه البسالة لا يمكن أن تستمر مطولاً دون مساعدة العالم الخارجي. ما يجري داخل غزة ليس اعتداء على الغزيين فقط، إنما هو اعتداء على كل ما نعرف من مبادئ إنسانية ومفاهيم أخلاقية، على كل ما يصنع بشريتنا ويؤسس لغرائزنا الطبيعية، على كل توجيه ديني أو واعز قيمي أو محرك ضمائري. ما يحدث في غزة هو ردة إنسانية ستأكلنا جميعاً وستقضي على جنسنا حال قبولنا أو حتى مجرد تجاهلنا لها. فما تقبل به اليوم أو تصمت عنه، سيلتف على عنقك غداً لا محالة، ولهذه الحقيقة شواهد كثيرة اختبرتها البشرية، ونختبرها نحن حالياً كل في موقعه؛ بأن سكوتنا عن خطأ سابق أوقعنا في خطيئة فاحشة حالية، فمتى نتعلم الدرس؟
ما يحدث في غزة هو أبعد من حرب إبادة، هو محاولة إشعال حرب ذاتية بين الغزي ونفسه، بينه وبين إنسانيته، وبين الغزي والآخرين من الغزيين، هو محاولة لدفع الغزيين لإيذاء أنفسهم بإنهاء حيواتهم أو لإيذاء غيرهم عبر التصارع الغرائزي البشري الأساسي على الطعام حد الموت. ماذا سيبقى للغزيين إذا استمر هذا الحصار البشع على الطعام، إذا ما بقيت مقار توزيع المساعدات مواقع قنص لمن تبقى من المنهكين المنكوبين، إذا بقي سعر كيس الطحين ألف دولار، إن وجد؟ لربما سيشرع الناس بأكل الموتى، ثم بأكل بعضهم بعضاً، لربما سينفجر عنف آخر داخلي، لربما ستتداعى كل القواعد والأعراف الإنسانية. هذا ما يريد الصهاينة أن يصلوا إليه، وهذا ما لن يمكنهم الغزيون منه، وهذا ما لا يجب أن نسمح كبشر عموماً بوقوعه، لو حدث ذلك فستلتهم الكارثة إنسانيتنا جميعاً.
أتصور أن البشرية تأخرت، وأن ما وقع من الكارثة لن نتمكن من التكفير عنه أبداً، إلا أن هناك بعداً ما يمكن إنقاذه، هناك بعد ما يمكن أن ننتشله من بقايا إنسانيتنا وكرامتنا وضمائرنا من تحت الأنقاض. هناك معبر يجب أن يفتح، ومقاطعات يجب أن تستمر، وتطبيعات يجب أن تلغى، وجيوش يجب أن تتحرك، هناك مساومات يجب أن تجري، وتحالفات جديدة يجب أن تُعقد، وقديمة يجب أن تُلغى، هناك الكثير الذي يجب أن يتم خلال أيام، فهي ما تبقى لأهل غزة، وهي ما تبقى لإثبات إنسانيتنا.
ولا، لا تلام حماس للحظة، حماس مقاومة مسلحة ضد احتلال، إنما اللوم كل اللوم على من تخلوا عن المقاومة وعلى من نصروا عدوها المتوحش وطبعوا معه ومكنوه من أبناء عمومتهم، هنا موقع اللوم، وهذا مصدر العار.





