من بعض أقوال النبي (ﷺ) التي تحث المسلمين على نُصرة إخوانهم وأخواتهم في وقت الشدة
الدكتور رشيد حميمز
استاذ جامعي الرباط المملكة المغربية
تُوجّه عدة أحاديث نبوية صحيحة دعوة صريحة للمسلمين لنُصرة إخوانهم وأخواتهم في وقت الشدة. وتشكل هذه النصوص مجتمعة أساسًا لواجب شرعي جماعي (فرض كفاية) في إغاثة المظلومين والمستضعفين، سواء في فلسطين أو غيرها من بقاع العالم.
فبعض هذه الأحاديث يُبرز وحدة المؤمنين وتكاملهم كجسد واحد. قال النبي (ﷺ):
« مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى »
(صحيح البخاري، صحيح مسلم)
وأحاديث أخرى تؤكد على واجب النصرة والمساندة الفعلية، حيث قال (ﷺ):
« الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ »
(صحيح البخاري، صحيح مسلم)
ويُعلّم الحديث التالي خُلُق التضامن المعنوي، ووجوب الدفاع عن الأخ في موطن الخطر، ووعد النُّصرة الإلهية في المقابل.
إنه يندّد باللامبالاة تجاه الظلم، ويُدين التخلّي عن الأخ المظلوم، ويُثني على شجاعة من يقفون بالموقف العادل.
” ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمًا في موطنٍ يُنتَقَصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه، إلا خذله اللهُ تعالى في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه، وما من أحدٍ ينصر مسلمًا في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصره اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه”
المصدر الرئيسي لهذا الحديث هو الطبراني في المعجم الأوسط والمعجم الكبير، وله طُرُق أخرى عند البزّار وأبي يعلى.
وقد اعتبره علماء الحديث، قديمًا وحديثًا، حديثًا حسنًا”
كما تحث بعض الأحاديث على نُصرة المظلوم، بل وحتى كف الظالم عن ظلمه، فيقول (ﷺ):
*« انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا »
قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟
قال: « تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ »
(صحيح البخاري)
وجاء في حديث آخر التحذير من اللامبالاة والتجاهل تجاه قضايا المسلمين:
« مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ »
(المعجم الأوسط للطبراني)
كما ورد تأكيد على حرمة المسلم وحقه في النصرة عند وقوع الظلم عليه، في قوله (ﷺ):
« حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ […] وَنُصْرَتُهُ إِذَا ظُلِمَ »
(صحيح البخاري، صحيح مسلم)
وفي حديث آخر، رُبطت النصرة المعنوية والمادية بثواب عظيم يوم القيامة، فقال (ﷺ):
« مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ »
(صحيح مسلم)
ولا يقتصر هذا المبدأ على المسلمين فقط، بل يشمل أيضًا الدفاع عن غير المسلمين إذا وقع عليهم الظلم، وذلك عملاً بقول الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾
(سورة الممتحنة، الآية 8
من أشد الأحاديث وقعًا في نفسي قول النبي (ﷺ):
« مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ »
(رواه الطبراني في المعجم الأوسط)
وهناك حديث آخر يشبهه في البنية اللغوية والدلالة، وهو:
« مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا »
في كلا الحديثين، نجد حكمًا ثقيلًا: « فليس منا ». من يغش المسلمين، ومن لا يهتم بشؤونهم، يُخرَج من دائرة الانتماء إلى الجماعة. وليس المقصود مجرد توبيخ أخلاقي، بل إقصاء رمزي من جماعة المسلمين. وهنا يبرز سؤال جوهري:
ما المشترك بين هذين السلوكين حتى يستحق صاحبهما هذا الحكم القاسي؟
الجواب يتلخص في مبدأ عظيم: حرمة المسلم ومكانته المقدسة.
في كلا الحالتين، يقع الاعتداء على المسلم: إما بالإهمال وعدم الاكتراث، أو بالخيانة والتغرير. تجاهل آلامه أو الإضرار به هو تعدٍّ على تلك الحرمة. وهذا لا يُعد مجرد تقصير، بل خيانة لروح الإسلام التي تقوم على الأخوة والنصرة. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
(سورة الحجرات، الآية 10
فالانتماء إلى جماعة المسلمين في الخطاب النبوي ليس مجرد هوية دينية يُدّعاها باللسان، بل يُثبت بالفعل والموقف. الإهمال والغش لا يُعدّان أخطاء فردية فحسب، بل انتهاك لبنية الجماعة وتماسكها.
ولهذا كانت عبارة النبي (ﷺ) صارمة: « فليس منا ».
لأن من يؤذي المسلم، بفعله أو بتجاهله، إنما يهدم أحد أسس الجماعة. وكأن هذا الشخص، بسلوكه، ينسلخ من الأمة قبل أن تُقصيه.





