دة نعيمة بويغرومني.
قرأنا مقال الصحفي سعيد الكحل فوجدناه أقرب ما يكون إلى صرخة أيديولوجية خاوية، تفتقر للحجة وتفيض بالتحامل الأعمى، كمن يبحث عن خصمٍ متخيَّل ليلصق به إفلاسًا فكريًا…
إذ لم يُتعب الكاتب نفسه في مقاربة الواقع أو تفحّص الحقائق؛ وكأن شغله الأكبر كان تصفية حسابات مع تيار يُقلقه حضوره الراسخ في وجدان المغاربة ولا فخر!
وعليه، فجوابنا على مقاله “العاصف” – ونرجو ان يتسع صدر صاحب المقال له، مشفوع بحجج وأمثلة هادئة من وحي واقع لا يرتفع إلا على من أبى.
أولًا، أما عن تصريح الأمين العام الذي حاول الكاتب أن يصنع منه تهمة، فالحقيقة أنه لم يكن تحريضًا على حرمان الفتيات من التعليم – كما زعم – بل كان جرس إنذار حول أزمة تأخر سنّ الزواج وتراجع نسبة الخصوبة في المغرب، وهي أزمة رصدتها تقارير رسمية تُحذّر من خطر شيخوخة مبكرة للمجتمع. لكن صاحب المقال فضّل الهروب إلى أسلوب التخوين والاتهام بدل مواجهة الأرقام الصادمة والحقائق العنيدة.
ثانيًا، المرجعية الإسلامية التي يسخر منها الكاتب ليست مجرد شارة حزبية أو شعار موسمي، بل مشروع حضاري متكامل منسجم مع روح الدستور الذي يُقرّ بأن المملكة دولة إسلامية وفي الوقت ذاته يكرّس سموّ المواثيق الدولية. نحن لسنا ضد الإنصاف ولا العدالة، بل ضد تحويل العلاقات الأسرية المقدسة إلى صفقات تجارية تنتهي في قاعات المحاكم.
ومن هنا كان موقفنا الرافض لفكرة “تثمين العمل المنزلي”: فالحزب لا يُنكر أبداً قيمة جهد المرأة في بيتها، لكن تحويل هذا الجهد إلى بند مالي في عقد الزواج يُفقِد العلاقة بعدها القيمي ويزرع بذور النزاع القضائي منذ البداية. ومع ذلك دعمنا دائمًا ما يضمن للمرأة حقوقها المالية، كالمادة 49 من مدونة الأسرة التي تنظّم اقتسام الممتلكات المكتسبة بعد الزواج.
ثالثًا، فيما يخص القوامة التي شنّ عليها الكاتب هجومًا غوغائيًا: القوامة ليست استبدادًا ولا تفويضًا بالقمع، بل تكليفٌ ومسؤولية مادية وأخلاقية على الرجل مقابل التزامه بالإنفاق ورعاية الأسرة حتى بعد الطلاق. ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها النساء (19.2%) لا ينفي الحاجة للدور الأبوي في الضمان الاقتصادي والاجتماعي للأسرة. أما تضخيم عدد قضايا النفقة (أكثر من 29,000 قضية سنة 2021) فلا يُدين مفهوم القوامة ذاته، بل يكشف خللًا في التنفيذ وآليات القضاء الأسري، وهو ما طالبنا بإصلاحه عمليًا بدل الاكتفاء بالصراخ.
رابعًا، أما في مسألة الولاية على الأبناء، فالكاتب يروّج لمفهوم “مساواة ميكانيكية” لا يرى فيها سوى ورقة ضغط جديدة لنزاعات الطلاق، دون مراعاة لمصلحة الطفل النفسية والاجتماعية. وعليه، فنحن نقول بوضوح : الأصل بقاء الولاية للأب، مع سلطة القاضي في إسنادها للأم متى اقتضت مصلحة الطفل ذلك.و هذا ليس ذكورية عمياء، بل اجتهاد واقعي يحمي استقرار الطفل، انسجامًا مع روح الفصل 19 من الدستور الذي يقرّ بالمساواة ويراعي خصوصية الأسرة.
خامسًا، ولعلّ أخطر ما جاء في المقال تلك التهمة الرخيصة بأن الحزب “يشرعن البيدوفيليا”! هذا تجنٍّ فجّ بلا سند ولا نص ولا واقعة، لا يُثبت سوى إفلاس الحجة عند كاتبه، ويُسقط عن مقاله آخر ذرة مصداقية. فليستمر – إن شاء– في جلد الهواء…. فذلك نعم الهراء.
سادسًا، لسنا في تناقض حين ندافع عن المرجعية الإسلامية ونحترم في الآن ذاته سموّ المواثيق الدولية: لأننا نراها تكاملًا لا تعارضًا. وحين نرفض زواج المسلمة من غير المسلم مثلًا، فذلك انسجام مع إجماع فقهي لحماية المرأة.
في المقابل، ندعم اجتهادات فقهية منصفة كالاعتراف بحق الكدّ والسعاية، كما كان معمولً به في سوس، تقديرًا للمرأة التي ساهمت في تنمية الثروة الأسرية.
سابعًا، الكاتب يتهمنا بالجمود الفكري وهو يجهل – أو يتجاهل – أن الحزب كان شريكًا في صياغة تعديلات مدونة الأسرة 2004، وساند إصدار قوانين مناهضة العنف ضد النساء، وأطلق برامج محو الأمية وتمكين النساء اقتصادياً في القرى والجبال.
ثامنًا، نحن لا نبيع الأوهام بل نتكلم بلغة الأرقام: فقد ساهمنا في تأسيس المجلس الاستشاري كمؤسسة للتتبع وإبداء الرأي في قضايا المرأة والأسرة؛و دعمنا ولا فخر برامج كفالة الأرامل؛ وساهمنا في مشاريع البنية التحتية في المناطق الجبلية والنائية لتقليص الهدر المدرسي وزواج القاصرات؛ كما انخرطنا بالتبع و بالجدية التي تلزم في الأوراش الملكية الكبرى. كلّ ذلك موثّق في تقارير ومذكرات حزبية مفتوحة للرأي العام…. ندعو الكاتب للعودة إليها ، دون أن تضيق فسحة صدره بالكلام المشفوع بالدليل والبرهان.
تاسعًا، من المؤسف أن يغضّ الكاتب الطرف عن كل هذا الجهد، ليختصره في تهمة “العداء لحقوق المرأة”! فقد غاب عنه أنّ واقع العمل الميداني يُكذّب ويفند خطابه: نساء مناضلات في صفوفنا – طبيبات يُجرين كشوفات مجانية في القرى، أستاذات يُكوّن شابات في التنمية والتطوع، وحقوقيات يُرافقن ملفات النساء في المحاكم دون بهرجة إعلامية.
وأخيرًا، نحن لا نكتب طلبًا لرضا صحفي ولا لننال تصفيق صالونات باريسية، نحن اكبر من منصات تشريف موسمية تخبو جذوتها في اليوم الموالي ؛ بل نكتب لأننا نعيش مع النساء في هوامش المغرب العميق، حيث لا تصل الكاميرات ولا تُشبع شعارات «حقوق المرأة» الاستعراضية جائعةً في دوارٍ ناءٍ.
وبكلمة، التاريخ لا يُخلّد صدى المقالات الغاضبة ولا هتافات الفيسبوك؛ إنما يحفظ ما غيّر حياة النساء والأسر فعلًا: مدرسة شُيّدت، وقافلة طبية وصلت، وقانونٌ عُدل فأنصف مظلومة.
هذا هو رهاننا الذي لا نحيد عنه: أن يبقى خطابنا متجذرًا في واقع الناس لا محلّقًا في أوهام الأبراج الأيديولوجية؛ وأن تظلّ مبادؤنا مرتبطةً بما يُغيّر حياة النساء نحو الأفضل، لا بما يملأ صفحات الجرائد بالشعارات الجوفاء.
وذكلمة ، فداك وطني فعلى أرضك ما يستحق البذل !





