عقلنة وترشيد اختيارات الموازنة بين التدبير الظرفي وبناء ثقافة مؤسساتية مستدامة: قراءة مركبة في رسالة التأطير لمشروع قانون المالية 2026
* ذ. أسامة شنفار (باحث في سلك الدكتوراه – أنظمة التدبير المالي للجماعات الترابيّة)
– مدخل تأملي: هل يمكن للمال العام أن يتحرر من جاذبية اللحظة السياسية؟
حين يوجّه رئيس الحكومة رسالة تأطيرية إلى الوزراء قبيل نهاية الولاية، حاملةً تعليمات واضحة لترشيد الإنفاق وضبط الموارد، يتبادر إلى الذهن سؤال يتجاوز حدود الوثيقة نفسها: هل نحن أمام فعل تدبيري ظرفي تفرضه ضغوط التوازنات الماليّة والسياسيّة، أم أمام محاولة لترسيخ مبدأ مؤسسي يربط المال العام بمنظومة رقابة وحكامة مستدامة؟
هذه اللحظة تفرض على القارئ، لا الاكتفاء بالتتبع الإخباري، بل الانخراط في قراءة تتجاوز الخطاب المعلن نحو استكشاف البنية العميقة التي تحكم العلاقة بين السياسة والاقتصاد والإدارة وأنظمة التدبير المالي.
– المحور الأول: عقلنة وترشيد الإنفاق: من تقليص النفقات إلى إعادة هندسة أولويات الدولة
في نص الرسالة، تتضح مجموعة من التوجيهات الدقيقة: حصر التوظيف في الضروري، إعادة توزيع الموارد البشرية مركزياً وجهوياً، تقليص فواتير الماء والكهرباء عبر الطاقات المتجددة، ترشيد نفقات التنقل والاتصالات، الحد من اقتناء السيارات وبناء المقرات إلا في حالات قصوى، والوقف شبه التام لمصاريف الحفلات والفنادق والتنقلات الخارجية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يشكّل هذا الانكماش في النفقات تحوّلاً في نموذج التدبير العمومي، أم أنه استجابة مؤقتة لضغط مالي آني؟
إن قراءة هذه الإجراءات في ضوء التجارب الدولية، خصوصاً منهجية عقلنة وترشيد اختيارات الميزانية (RCB) في فرنسا ونظام التخطي والبرمجة في الميزانية (PPBS)، في الولايات المتحدة الأميركية؛ تكشف أن الممارسة الناجحة لا تتوقف عند خفض النفقات، بل تمتد إلى إعادة هندسة السياسات العموميّة على أساس الأثر والنتيجة، لا على أساس المحافظة على الإطار الشكلي للمؤسسات.
هنا، يبرز التحدي في جعل هذه القرارات جزءاً من إستراتيجيّة طويلة المدى، لا من مجرد “رد فعل” لحظة سياسيّة أو اقتصاديّة.
– المحور الثاني: صدقية الميزانية كاختبار لمؤسسات الدولة
في الخطاب المالي الحديث، تُعتبر “صدقيّة الميزانية” أحد أعمدة الحكامة الماليّة، إذ تعني التوافق الصارم بين ما يُعلن وما يُنفّذ، وبين التقديرات الماليّة والنتائج المحققة.
في التجربة المغربية، يظل هذا المبدأ عرضة لاختبارات متكررة: فهل تتجاوز صدقية الميزانية حدود الولاية الانتدابية لتصبح التزاماً مؤسساتياً عابرًا للأجندات السياسية؟ وهل يمكن للنظام المالي أن يحافظ على هذا المبدأ في ظل تذبذب العائدات وضغوط النفقات الاجتماعية؟
يطرح هذا الوضع إشكالية أعمق تتعلق بمدى قدرة أجهزة الرقابة والمساءلة على التحرك بفاعلية، بعيداً عن الحسابات السياسيّة الضيقة. فإذا كانت الرسالة التأطيريّة تشدد على ضرورة تسوية المتأخرات من الديون، خصوصاً مستحقات المكتب الوطني للكهرباء والماء، قبل أي إنفاق آخر، فإن ذلك يفتح الباب للتساؤل حول ما إذا كانت الأولويات تُرسم وفق منطق استراتيجي، أم وفق ضغوط تقنيّة عاجلة تمليها الحاجة إلى إغلاق ملفات عالقة.
– المحور الثالث: البنية المؤسسية للحكامة المالية
ترشيد وعقلنة الإنفاق ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة ضمن منظومة أشمل لضبط المال العام.
هنا تطرح التجربة المغربية سؤالاً حول ما إذا كانت البنية القانونيّة والمؤسسية قادرة على تحويل هذه التوجيهات إلى سلوك إداري متجذر، لا إلى أوامر موسمية.
في التجارب المقارنة، لا يتحقق هذا التحول إلا عبر إصلاحات هيكلية تدمج:
1. تخطيط متعدد السنوات يربط الميزانية بمؤشرات أداء واضحة.
2. منظومات رقابة مستقلة قادرة على المساءلة دون تدخل سياسي.
3. مشاركة مجتمعيّة في مراقبة الإنفاق العمومي، من خلال الشفافية الكاملة في البيانات الماليّة.
لكن، هل يمكن لهذه العناصر أن تجد طريقها إلى الواقع المغربي في ظل ثقافة سياسيّة وإداريّة ما زالت تُدار غالباً بمنطق الاستجابة للحظات الحرجة، لا بمنطق الاستباق الإستراتيجي؟
– المحور الرابع: التوتر البنيوي بين التقشف وفعالية السياسات العموميّة
أحد أعمق الإشكالات التي تطرحها إجراءات تقليص النفقات هو التوازن الدقيق بين ضبط الإنفاق وضمان جودة الخدمات العموميّة. إذ يمكن لأي انكماش مالي مفرط أن يفضي إلى إضعاف القطاعات الحيويّة، مثل: التعليم والصحة والبنيات التحتيّة، مما قد يولد آثاراً اجتماعيّة عكسيّة تتجاوز في خطورتها أي مكاسب مالية قصيرة الأمد.
لكن هل يمكن إعادة صياغة معادلة جديدة، يكون فيها الإنفاق العمومي رشيداً من حيث الكلفة، وفعالاً من حيث الأثر؟ وهل تستطيع الدولة، في ظل الإكراهات الماليّة، أن تُعيد هيكلة سياساتها بما يحافظ على الكرامة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للمواطنين والمواطنات، دون الانزلاق نحو نماذج تقشفيّة تؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات؟
– المحور الخامس: نحو فلسفة جديدة في إدارة وتدبير المال العام
ما الذي يجعل من ترشيد الميزانية ممارسة دائمة، لا استثناء عابراً؟ الجواب يكمن في تحويل الفعل المالي من مجرد أداة تقنيّة إلى فلسفة حكم، قائمة على الربط العضوي بين المسؤولية والمحاسبة.
في ظل هذا السياق، يصبح المال العام مجالاً لا للتدبير الإداري فحسب، بل للتفاوض المجتمعي التشاركي حول أولويات الدولة ودورها.
إن تحويل الرسالة التأطيرية إلى ممارسة معياريّة يستدعي وجود آليات تشريعيّة تحصّن المال العام من تقلبات الأجندات السياسيّة، وتعزز استقلالية المؤسسات الرقابية، وتربط بين الموارد المخصصة والمخرجات الفعليّة القابلة للقياس.
هنا، لا يعود السؤال مقتصراً على “كيف نقلّص النفقات؟”، بل يصبح أعمق: “كيف نبني نظاماً مالياً يضمن العدالة والكفاءة معاً، ويحصّن المستقبل من مخاطر سوء التدبير؟”
– خاتمة مفتوحة: حين يتحول المال العام إلى مرآة لمستقبل الدولة
الرسالة التأطيرية لمشروع قانون المالية 2026 تمثل، في أحد أبعادها، محاولة لضبط الإيقاع المالي للدولة في لحظة سياسيّة حرجة ضمن أولوياتها ضغط مالي يتعلق بالتحضير للمونديال 2030 منذ الآن، لكنها في بُعد آخر تكشف عن معركة أوسع: معركة الانتقال من التدبير الظرفي إلى الحكامة المؤسسية المستدامة.
هنا، يظل السؤال قائماً: هل ستبقى هذه الإجراءات جزءاً من خطاب وشعار اللحظة، أم ستتحول إلى تقاليد إداريّة راسخة؟ وهل تستطيع الدولة أن تبني منظومة مالية تضع المواطن في قلب القرار، وتتعامل مع المال العام باعتباره مسئوليّة جماعيّة، لا مجرد بند في قانون الماليّة؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة لن تأتي من النصوص وحدها، بل من قدرة المؤسسات والمجتمع معاً على إعادة تعريف معنى الحكامة الماليّة في أفق يمتد إلى ما بعد دورة الميزانيّة وإلى ما بعد دورة الحياة السياسيّة نفسها.





