اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج… بين الاعتراف الرمزي وغياب الحقوق الدستورية متى يتحول الوفاء للوطن إلى مواطنة كاملة؟
بقلم: عبد الكريم المردادي
فاعل حقوقي ونقابي وإعلامي – مقيم بإيطاليا منذ 33 سنة
في كل عاشر من غشت، يحتفل المغرب بما يُعرف بـ”اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج”، وهو موعد سنوي يُفترض أن يكون مناسبة للاعتراف الفعلي بدور الجالية المغربية عبر العالم في التنمية الوطنية، وتوطيد العلاقات بين الوطن وأبنائه في المهجر.
في هذا اليوم، تُنظم الندوات، وتُطلق التصريحات الرسمية، ويُشاد فيه بما تقدمه الجالية من دفاع مستمر عن قضايا الوطن من مواقعها في بلدان المهجر، وتشبعها بقيم الديمقراطية، والحرية، واحترام حقوق الإنسان، ثم بما تُقدمه من تحويلات مالية، وجهود فردية وجماعية في تنمية البلاد.
لكن، ومع كل هذه الرمزية، يبقى السؤال المشروع مطروحًا بقوة: هل نُعامل فعلاً كمواطنين كاملي الحقوق؟ أم مجرد ضيوف موسميين في وطننا الأم، نُذكر فقط في المناسبات الرسمية؟
الحقوق السياسية… غائبة رغم وضوح الدستور
في عام 2011، وخلال لحظة تاريخية مفصلية، شارك مغاربة العالم في الاستفتاء على الدستور الجديد، واضعين ثقتهم في أن يكون هذا النص تعاقدًا جديدًا يُعيد لهم الاعتبار السياسي والحقوقي. وقد جاء الفصل 17 من الدستور صريحًا لا يحتمل التأويل:
“يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات.”
ومع ذلك، لم تُفعَّل هذه المقتضيات إلى حدود اليوم. لم تُفتح أمام الجالية إمكانية التصويت من الخارج، ولا الترشح عبر دوائر تمثيلية مستقلة في البرلمان. غُيّب أبناء الجالية من المؤسسات الدستورية، وكأن مواطنتهم ناقصة أو مشروطة.
إن هذا التأخير غير المبرر، والمستمر منذ أكثر من 13 سنة، لم يعد مقبولًا. فالدولة مدعوة لتجاوز مرحلة الإشادة الخطابية، والمرور إلى التفعيل الحقيقي لما تنص عليه الوثيقة الدستورية التي صوتنا عليها بمسؤولية ووعي وطني خالص.
مغاربة العالم… أجيال من الوفاء والتضحية
الهجرة المغربية ليست حديثة العهد. فالجيل الأول من المهاجرين حمل همّ الوطن رغم الغربة، وشيد المساجد، وبنى الجمعيات، وشارك في دعم أسر ومناطق بكاملها في المغرب، في صمت ونكران ذات.
ثم جاء الجيل الثاني والثالث، متمسكًا بجذوره، مشبعًا بقيم المواطنة، ومندمجًا في مؤسسات بلدان الإقامة، حتى أصبح كثير منهم نوابًا، عمداء مدن، مستشارين، ووزراء في حكومات أجنبية.
هؤلاء المواطنون المغاربة الذين يمارسون كامل حقوقهم السياسية في بلدان الإقامة، لا يستطيعون التصويت في بلدهم الأم، ولا يُمنحون فرصة الترشح أو التعبير عن آرائهم السياسية ضمن مؤسسات وطنهم الأصلي.
أليست هذه مفارقة فادحة؟
أليس من واجب الدولة أن تحتضن طاقاتها أينما وُجدت، لا أن تغلق أبوابها في وجوههم؟
مخاطبة الدولة والمجتمع… بجرأة الحقوقي وصدق الوطني
نحن، مغاربة العالم، لا نبحث عن امتيازات ولا نخوض معارك وهمية. نحن نطالب فقط بتفعيل حقنا الدستوري في المشاركة السياسية، بآليات واضحة، ودوائر مخصصة، وقوانين تضمن العدالة في التمثيلية.
لا نُطالب بأكثر مما يُمارَس في العديد من الدول، حيث للمغتربين تمثيلية سياسية فاعلة، وصوت محترم في القرار الوطني.
ولذلك، فإننا نُوجّه خطاباتنا إلى من يهمهم الأمر:
إلى الدولة: كفى من تأجيل هذا الاستحقاق. لقد حان الوقت لتفعيل مضامين الدستور، لا الاكتفاء بتأويله أو الالتفاف عليه.
إلى الأحزاب السياسية: لا تبنوا تحالفاتكم على خريطة انتخابية تُقصي ملايين المغاربة في الخارج. انفتحوا على جاليتكم، فهي خزان كفاءات وإخلاص ونضج سياسي.
إلى المجتمع المغربي: نحن لسنا جالية، نحن مغاربة. نحب وطننا، وندافع عنه، ونسهم في اقتصاده. لا تنظروا إلينا كغرباء، بل كمواطنين حملوا الوطن في قلوبهم رغم المسافة.
من الوفاء إلى المواطنة الفعلية
الوطنية ليست شعارات تُرفع في الصيف. الوطنية ممارسة. والمواطنة ليست هوية في جواز السفر فقط، بل حق وواجب في آنٍ واحد.
لقد أثبت مغاربة المهجر في مختلف الأزمات والمواقف ولاءهم الصادق للمغرب، في المحن والأعياد، في النضال والتضامن، في الدفاع عن قضية وحدته الترابية وصورته في المحافل الدولية.
لذلك، نقولها بكل وضوح:
آن الأوان أن نُعامل كمواطنين لا كضيوف.
آن الأوان أن يتحول اليوم الوطني للمهاجر من احتفال رمزي إلى منصة إنصاف سياسي وحقوقي.
آن الأوان أن نُشارك في صنع القرار الوطني، لا أن نُصفق له من بعيد.
عن الكاتب:

عبد الكريم المردادي
فاعل حقوقي ونقابي وإعلامي، من الجيل الأول للهجرة، مقيم بإيطاليا منذ أكثر من 33 سنة.
أحد النشطاء المدافعين عن حقوق الجالية المغربية بالخارج، ومناصر لقضايا الديمقراطية، المواطنة، والمشاركة السياسية العادلة.





