هيئة الحياد بين أم الوزارات و هيئة الظل من يملك تعريف الحياد الانتخابي؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

كتبته/ ميمونة الحاج داهي

 

الخطوة التي بادر إليها الحزب الاشتراكي الموحد المتمثلة في مطلب إحداث هيئة وطنية مستقلة للإشراف على الانتخابات عوض وزارة الداخلية، لا يمكن اعتبارها مجرد تعديل إداري في آليات التنظيم فقط بل هي تفتح ولو ضمنيا نقاشا استراتيجيا حول فلسفة التحكيم السياسي في المغرب ومن لديه سلطة تعريف “الحياد” نفسه.
إذا عدنا إلى المنطق التقليدي للدولة لا يمكن حصر وزارة الداخلية كمنظم للعملية الانتخابية فقط فهي أيضا ^مؤسّسة ذاكرة^ تحفظ توازنات ما قبل الاقتراع وما بعده، و تتحكم في شبكة من الاعتبارات الأمنية والولاءات الترابية والحساسيات الاجتماعية مما يجعلها في نظر صانعي القرار “الضامن الأخير” لسلامة المسار الانتخابي. و هذا المنطق من وجهة نظر المعارضة عقبة أمام تجديد الثقة الشعبية، فهي تعتبر الحَكَم الذي يحتفظ بملفاته السرية عن اللاعبين، سيظل في نظرهم قادرا على التأثير في النتيجة حتى لو لم يسعى إلى ذلك سعيا مباشرا.
الغير مألوف هنا هو أن عملية نقل الإشراف إلى هيئة مستقلة قد ينتج عنه ^أم وزارات موازية^؛ مؤسسة جديدة ذات سلطة وميزانية وشرعية تنظيمية رغم أنها ستفتقر و لو في البداية على الأقل إلى البنية الميدانية والاستخباراتية التي تملكها الداخلية مما قد يؤدي إلى فتح المجال لصراع ناعم بين المؤسستين أو لما يمكننا أن نسميه “ازدواجية الحَكَم” في ملعب سياسي واحد.
و الثقة العامة لا يمكن أن نضمنها تلقائيا من خلال إنشاء هيئة مستقلة لأن السؤال الأعمق هنا// من سيعين هذه الهيئة؟ ومن سيراقبها؟ فإذا كان التعيين سياسيا فالنتيجة قد لا تختلف كثيرا عن الوضع الحالي بل الأدهى من ذلك أن تتحول الهيئة إلى جهة تبرر النتائج بدل أن تضمن نزاهتها.
من جهة أخرى إذا كان تعيين هذه الهيئة بتوافق وطني واسع فسيكون التحدي في إيجاد توافق حقيقي ضمن سياق سياسي متشظ حيث كل طرف يعتبرالآخر خصما انتخابيا قبل أن يكون شريكا في بناء القواعد.
و إذا ما سلطنا الضوء على بعض التجارب الدولية فإن العقود الأخيرة شهدت نقل عدة دول الإشراف الانتخابي من وزارة الداخلية إلى هيئات مستقلة و أسفرت هذه التجارب عن النتائج مختلفة نسلط الضوء على بعضها:
في المكسيك مثلا تم إنشاء ^المعهد الوطني للانتخابات^ مما رفع الشفافية وعزّز الثقة، و نتج عن ذلك ولادة مركز قوة جديدا صار جزءا من الصراع السياسي.
بالنسبة لتجربة الهند أنشأت ما يسمى ^المفوضية الانتخابية^ التي صارت نموذجا عالميا ليس بفضل القانون وحده بل من خلال تراكم أداء صارم وحماية سياسية حقيقية لاستقلالها.
كينيا هي الأخرى خاضت ذات التجربة و التي بدأت بأمل كبير إلا أنها اصطدمت بضعف القدرات وتدخلات التعيين فعادت الشكوك سريعا.و فشلت التجربة.
هذه التجارب المذكورة نستخلص منها بعض الدروس الواضحة فنجاح الهيئة المستقلة يحتاج إلى ثلاثة شروط لا يمكن الاستغناء عنها
أولا يجب استقلال التعيين والميزانية عن السلطة التنفيذية و عن الأغلبية كذلك.
ثانيا يجب أن تمتلك هذه الهيئة قدرة ميدانية تضاهي ما تمتلكه الداخلية ..و في الأخير يجب أن تتوفر على إرادة سياسية عليا تحمي استقلالها حتى من الحلفاء.
في نظري النقاش المغربي الدائر حاليا حول الإشراف على الانتخابات لا يمكن فهمه على أنه مجرد صراع حول من يمسك مفاتيح اللوائح والصناديق بل أراه اختبارا لرغبة الجميع في إعادة ضبط ميزان الثقة، لأن التغيير الحقيقي لن ينحصر في “من يشرف” بقدر ما سيكون في “كيف يُشرف”، و ماهي آليات محاسبته ..الحياد ليس مسألة قانونية فقط إنه رأس مال رمزي يتراكم أو يتآكل مع كل استحقاق جديد، و قد قال المفكر المهدي المنجرة
> “الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل هي ثقة متبادلة بين الحاكم والمحكوم، وإذا غابت الثقة، صار الصندوق بلا معنى.”.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...