عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
مقامُ الاستهلال: حينَ يتكلَّمُ السَّند:
في تقاليدِ الطريق، ليس الشيخُ فردًا، بل هو “سلسلةٌ حيّة” تمتدُّ من حضرةِ النبي ﷺ، مرورًا برجالِ الله الذين حملوا السرَّ وأدّوا الأمانة، حتى استقرَّ النورُ في قلبِ من اصطفاه الله وارثًا لعهده.
هذه الحقيقةُ التي يعرفُها أهلُ الذوق ليست مجردَ روايةٍ تاريخية، بل هي رابطةُ عهْدٍ، إذا انقطعت، تاهَ السالكُ في التيه الروحي، وانفرطَ عقدُ الجماعة.
من هنا، فإنَّ الوصيّةَ الشرعيةَ التي خطَّها الشيخُ الراحل سيدي جمالُ الدين رحمه الله ليست حبرًا على ورق، بل هي ختمٌ روحانيٌّ على استمرارِ النور في الشيخ المبارك سيدي منير، امتدادًا لسلسلةِ العارفين بالله:الحاج العباس وحمزة وجمال الدين، قدّس الله أسرارَهم.
الفتنةُ كغبارٍ على المرآة:
في الأزمنةِ الملتبسة، قد يخرج من بين الصفوفِ من يظنُّ أن المشيخةَ سُلطةٌ تُنتزع أو منصبٌ يُنازع عليه، فينسى أن الطريقَ مقامُ أمانةٍ لا سُلطان. هنا، تصفُ الأزمةُ الراهنةُ لحظةً حاول فيها غبارُ الفتنة أن يحجبَ صفاءَ المرآة، حين نُسب إلى الشيخِ الدكتور سيدي منير بيانٌ مزوَّر يعلن تخليه عن المشيخة، فكان الأمرُ كالصاعقةِ على القلوب.
لكن القلوبَ التي تشرَّبت العهدَ لم تهتز؛ فالمحبّةُ التي تأسست على الذِّكر، والمبايعةُ التي انعقدت على الطاعة، لا تنقضها إشاعةٌ ولا تفتُّها ريحُ الحُسّاد.
المقامُ الثالث: بين الشرعيةِ والابتلاء
الشرعيةُ في التصوف ليست نصًّا قانونيًا فحسب، بل هي موافقةٌ حضوريةٌ بين الشيخ والمشيئة الإلهية، يشهدها العارفون وتؤكّدها الوصيّة. والانقلابُ عليها ليس خروجًا على نظامٍ بشري، بل هو نزاعٌ مع مقاديرِ الله في ترتيب السير إلى حضرته.
من هنا، فإنَّ الدفاعَ عن فضيلة الشيخِ سيدي منير هو دفاعٌ عن “استمرارِ السرّ” قبل أن يكون دفاعًا عن “منصبِ المشيخة”. وكل فتنةٍ تحاول قطعَ هذا السند ليست سوى اختبارٍ لليقين، وامتحانٍ لصلابة العهد.
حراسةُ المقامِ ووحدةُ الصف:
لقد وقف المريدون والمريدات، والمقدَّمون والمقدَّمات، كالأوتادِ حول خيمتهم، يدفعون عن مقام شيخهم موجَ التشويش، ويمدون الجسورَ بين القلوبِ ليبقى الصفُّ واحدًا. وتجلّى في هذا الموقفِ معنى قوله تعالى: “يدُ الله فوقَ أيديهم”.
كما التفتت الزوايا الصوفيةُ الأخرى والعلماءُ والدعاة والفاعلون في الحقلِ الديني، داخلَ المغربِ وخارجه، حول الشرعية، إدراكًا منهم أن المساسَ بواحدٍ من أركانِ التصوفِ الوسطي هو مساسٌ بالروحِ التي تُغذّي جسدَ الأمة.
ختامُ المقام: من المحنةِ إلى العهدِ المجدَّد:
الفتنُ في تاريخ التصوف ليست نهايةً، بل هي مراحلُ يختبرُ الله فيها صدقَ العهد. والزاويةُ القادريةُ البودشيشية، وهي تواجه هذه المحنة، إنما تجدد بيعتَها لسرِّها المحمدي، وتربط وفاءَها بالمقامِ العلوي لإمارةِ المؤمنين، حارسِ الدين ووحدةِ الأمة.
فلتكن هذه اللحظةُ إذن بابًا لمزيدٍ من الصفاء، وميقاتًا لتجديد العهد، حتى يظلَّ النورُ ممتدًّا، والسرُّ محفوظًا، والصفُّ واحدًا، كما كان منذ قرون، وكما سيبقى ما بقي في الأرضِ من يذكرُ الله.





