عن الحلم و النار ومكتبة ممدوح عزّام

إيطاليا تلغراف

 

 

 

سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية

 

 

 

“هل يبني الطائر عشّه إن غاب عن قلبه ذلك الإيمان الغامض بأنّ الغد سيأتي على هيئة فرع جديد وريشة تنبت من الريح؟”… تساءل غاستون باشلار عن الثقة التي تمنح الكائن مبرّر البقاء، غير أن النار حين تصل إلى الأعشاش تحوّل هذا السؤال مرثيةً. في صباح محترق من الشهر الماضي (يوليو/ تمّوز)، صعد الرماد من قرية سورية صغيرة ليغطي فضاءً أوسع من جغرافيتها، حريقٌ في القلب قبل أن يكون في الخشب والورق. هناك، انفتحت المساحة فجأةً على فراغ مطلق. لم تذهب النصوص وحدها، بل تهاوت معها أعوام من الجمع، وملايين اللحظات التي تشكّلت فيها اللغة في رأسه قبل أن تُحبس بين أغلفة. لم يكن ما جرى مجرّد حادثة عابرة بقدر ما كان صورةً مصغّرّة للحريق الكبير الذي أكل ذاكرة السوريين جميعاً: البيوت، المدن، البساتين، والأصوات التي لم تجد مكانًا تعود إليه. المكتبة، كالرئة، حين تُخمد يختل تنفّس الوعي الجمعي.
لم تكن النار عبر التاريخ مصادفةً حين تبتلع الكتب، بل لغة سلطة، عرض مسرحيّ في الهواء الطلق، طقس يوجَّه إلى العيون أكثر مما يوجَّه إلى الخشب والورق. في إسبانيا سرفاتنس وروايته، جلس القسّ والحلّاق ينتقيان من رفوف دون كيخوته ما سيُلقى في اللهب، مشهد تخييلي يظلله ثقل واقعي: محاكم التفتيش لم تكن تحرق نصوصاً فقط، بل الحقّ في امتلاك ذاكرة مستقلّة. إحراق مكتبة هو إعلان واضحٌ يُكتب بالنار: هذه الفِكَر لن تُترك لتبقى، ولن تترك أيّ فِكَر غيرها بعد الآن. حتى حين يغيب الجمهور من مسرح الحريق، كما يفعل اليوم معظم السوريين.
الكاتب (أيّ كاتب) يسكن كتبه قبل أن يسكن بيته. المكتبة دماغه المفتوح، كلّ كتاب خلّية، وكلّ هامش ومضة من كهرباء فكره. حين تلتهم النار هذه الرفوف، تُسلب روحه الداخلية ويُلقى في عراء بلا مأوى ذهني. هكذا كانت روز ماكولي حين عادت إلى لندن عام 1941 لتجد منزلها حفرةً رمادية. كتبت وهي ما تزال تشمّ رائحة الرماد: “أنا بلا كتب، بلا منزل، بلا شيء سوى عينيّ لأبكي بهما”. ما يحترق ليس النصوص وحدها، بل ترتيبها الحميم، رائحتها، الهامش بخطّ اليد، الصلات الخفية التي لا يعرفها إلا صاحبها. إنه نفي من الذات، تيهٌ في ذاكرة بلا عناوين، كأن الكاتب يُطرَد من وطنه، حتى لو كان هذا الوطن من ورق وحبر وخشب.
هذه الحرائق المتجولة في سورية توقّفت أن تنطفئ عند حدودها، راحت تمتدّ لتحرق فكرة العودة إلى أيّ فضاء كما كان. ما حدث في تلك القرية لم يكن مشهداً منفصلاً، بل صورة مصغّرة للبلاد وهي تتفتت. يطالع السوريون اليوم صور الرماد كما لو كانت مرايا مشروخة تعكس وجوههم، رفوفا منهارة كانت تحمل بصمة شظايا من تواريخهم الشخصية. كأنّ المشهد امتدادٌ لمسرح أوسع، محاولاتٍ هشّة لحفظ ذاكرة مكتوبة وسط الركام. البيت والمكتبة والجبل والحقول خيوط في نسيج واحد، وحين يُسحب خيط واحد، يختلّ الكلّ. وهذا المكان الذي ابتلعته النار بدا نسخة مركّزة من الوطن، وفقْده يعيد إنتاج المنفى حتى لمن لم يغادروا. وأكثر لحظات الغربة كثافةً قد تأتيك وأنت واقف في موضعك، حين يتحوّل ما حولك غياباً كاملاً، وتندمج الغربة الداخلية بالمنفى الخارجي في شرارة واحدة.
ذلك الرماد الذي تصاعد من بيت ممدوح عزّام في قريته تعارة لم يكن مجرّد أثر لحريق في أطراف قرية هادئة، بل كان دخان حلم احترق. الحلم الذي راود السوريين في الأيام الأولى للثورة، حين بدا أن فضاءهم يمكن أن تُعاد هندسته في صورة أكثر عدلاً وكرامة، قبل أن تبتلعه النيران ذاتها التي ابتلعت الورق والخشب. احتراق الرفوف في ذلك البيت لم يكن نهاية مكتبة، بل كان إعلاناً صامتاً عن مصير بلد، وانطفاءً لجذوة أمل كانت تتّسع لتشمل الجميع. ما احترق هناك هو نسخة مصغّرة من سورية نفسها، حيث اختلط الحلم بالرماد، وصار الهواء مشبعاً برائحة الخسارة التي تتجاوز الأفراد لتصبح خسارةً جماعيةً، طعمها مرّ في فم كلّ من عاش تلك اللحظة، حتى وإن كان بعيداً منها آلاف الكيلومترات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...