سمر يزبك
كاتبة سورية.
في أوّل أيام العيد، قدّم رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع صورةً عن الوضع الاقتصادي في سورية، بحديثه عن إقرار الموازنة، وعن الفائض المالي، وعن النمو الاقتصادي، وكأنّ هذه العناصر الثلاثة تكفي وحدها لإثبات أنّ الدولة دخلت طوراً جديداً. لكنّ الموازنة في أيّ نظام جمهوري لا تكتسب معناها من لحظة إعلانها، بل من المسار الذي يسبقها، فيبدأ بمشروع تقدّمه الحكومة، فنقاش عام ومراجعة داخل المؤسّسة التشريعية، ثم الإقرار النهائي. حتى ضمن الإطار الانتقالي السوري الجديد، إن صلاحيات مجلس الشعب تشمل إقرار القوانين والقيام بدور تشريعي ورقابي، وقد نُوقش علناً بعد الإعلان الدستوري أنّ للمجلس دوراً في التشريع العام رغم محدودية صلاحياته السياسية عموماً. لذلك، لا يبدو تقديم الموازنة قراراً مُنجزاً من رأس السلطة التنفيذية تفصيلاً لغوياً، بقدر ما هو تغييب للمؤسّسة التي يُفترض أن تمنح الإنفاق العام شرعيته. من هذه الزاوية، يبدو الخلل في الخطاب أعمق من مسألة دستورية تقنية. فحين لا تُنشر بنود الإيرادات والنفقات، ولا تُعرف الحصّة المخصّصة لإعادة الإعمار والانتهاء من المخيّمات، ولا لتمويل العدالة الانتقالية، وهذه أمور ملحّة، وتشكّل جوهر المرحلة المقبلة، تفقد الموازنة طبيعتها وثيقةَ سياسات اقتصادية عامة. وتصبح أقرب إلى بيان نيّات سياسي، يستعير مفردات المالية العامة من دون أن يقدّم ما يجعل هذه اللغة قابلةً للفحص أو المساءلة.
ويبدو أن هنالك تدليساً في الأرقام؛ فالنمو حين يُذكر على هذا النحو المجرّد، يوحي بأن الاقتصاد يتحرّك بقوة. وليس من حاجة للاستعانة بخبير لمعرفة أن هناك فرقاً أساسياً بين النمو بالأسعار الجارية والنمو الحقيقي. الأول قد يرتفع لأنّ الأسعار نفسها تكون قد ارتفعت، أي لأنّ التضخّم ضخّم القيمة الاسمية للإنتاج. الثاني وحده يكشف ما إذا كان الاقتصاد ينتج فعلاً أكثر ممّا كان ينتجه. البنك الدولي، في تقديراته في يوليو/ تموز 2025 تحدّث عن نمو متواضع جدّاً للاقتصاد السوري في 2025، بحدود 1% فقط، وفي تحديث آخر منشور ضمن وثائق البنك، ورد سيناريو أكثر تشاؤماً يتوقّع استمرار الانكماش الحقيقي، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلّي تحت تأثير النزاع والهشاشة وضعف الإنتاج. هذه ليست فروقاً صغيرة في التقدير، بقدر ما هي فجوة بين خطاب يوحي بقفزة اقتصادية ومؤشّرات دولية لا ترى سوى تدهور مستمرّ.
يمكن رؤية هذه المفارقة أيضاً في الاحتفاء بالفائض المالي. في بلد طبيعي، قد يكون الفائض مؤشّراً على انضباط مالي أو تحسّن في الجباية أو تراجع في الهدر. أمّا في بلد مدمَّر البنية التحتية، يعاني فقراً واسعاً، مُثقل بالنزوح والخراب والتآكل في مؤسّسات الدولة، فلا يمكن عزل الفائض عن سؤال أبسط: فائض ناتج عن ماذا؟ إذا كان مردّه أن الدولة لم تنفق ما يكفي، ولم تستثمر ما يكفي، ولم تُعالج الكلفة الاجتماعية للانهيار بما يكفي، لا يكون الفائض هنا خبراً سارّاً، وإنّما دليلاً على أنّ الدولة خفّفت إنفاقها إلى الحدّ الذي مكّنها من تحقيق توازن محاسبي على الورق، بينما المجتمع المُنهك نفسه ظلّ يتحمّل كلفةَ الانكماش. لهذا لا يكفي القول إن هناك مخصّصات للبنية التحتية أو نيّة لإنهاء المخيّمات. المطلوب معرفة موقع هذه البنود ضمن ترتيب شامل للأولويات. ما حصّة الكهرباء والتعليم والصحّة والإدارة المحلية؟ ما حجم الإنفاق المخصّص لإعادة تأهيل القضاء، أو لبناء هيئة انتخابية مستقلة، أو لتمويل مسار عدالة انتقالية يمكن أن يضع الحياة العامة على أساس جديد؟ الموازنة هي الإطار الوحيد الذي تُختبر فيه جدّية الكلام الرسمي.
حتى لغة الناتج المحلّي الإجمالي تحتاج إلى قدر من الحذر. لا يقول هذا المؤشّر، في حدّ ذاته، شيئاً عن كيفية توزيع الدخل. قد يرتفع الناتج فيما تزداد أحوال الغالبية سوءاً. قد تتحسّن القيمة الإجمالية للإنتاج فيما تذهب مكاسبها إلى شريحة ضيّقة. في اقتصادات الحرب، كثيراً ما تتضخّم قطاعات محدودة، وتتراكم مراكز ربح صغيرة حول التجارة والوساطة والتحويلات والمضاربة، فيما تبقى الكتلة الأوسع من السكّان تحت ضغط الأسعار، وتآكل الأجور، وضعف الخدمات العامة.
في الشؤون المالية تحديداً، لا طريقة أخرى لبناء الثقة سوى الشفافية: نشر مشروع الموازنة، وتمكين جهة تشريعية من مناقشتها علناً، حتى لو كانت صلاحياتها محدودةً في المرحلة الانتقالية. لهذا تبدو القضية أبعد من مجرّد زلّة في استخدام مصطلح، أو خلط بين موازنة وميزانية، أو مبالغة في تقدير النمو. المسألة أنّ السلطة اختارت، في لحظة شديدة الحساسية، أن تعرض الأرقام بصفتها برهاناً كافياً على الاتجاه الصحيح، بينما الأرقام نفسها لا تزال محرومةً من شروطها السياسية والمؤسّسية. وهذا بالضبط ما يجعل الخطاب الاقتصادي مثيراً للشكّ، لأنه تعامل مع المالية العامة كما لو أنها شأن سيادي، وليس عقداً علنياً بين السلطة والمجتمع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





