سمر يزبك
كاتبة سورية.
تنتمي الحروب اليوم إلى مرحلة تاريخية مختلفة، مرحلة لم تعد فيها الحرب فعلاً سياسياً محدوداً يمكن التحكّم بمساره، بقدر ما أصبحت منظومة متحرّكة من التفاعلات المتشابكة التي يمكن أن تنزلق في أيّ لحظة إلى مستوى لا يريده أحد ولا يستطيع أحد إيقافه. لقد عرف التاريخ حروباً عبثية كثيرة، الجديد الآن فقدان السيطرة على مسارها. الحرب لم تعد تبدأ وتنتهي وفق إرادة واضحة، وهذا التحوّل انعكس تغيّراً أعمق في طبيعة النظام العالمي. في القرون الماضية، كانت الحروب، رغم عنفها، محكومةً ببنية دولية يمكن فهمها، أمّا اليوم فالعالم يعيش داخل شبكة معقّدة من القوى والتحالفات المتغيّرة.
لم تعد هناك حدود واضحة بين الحربين، المحلّية والإقليمية أو الدولية. ولهذا أصبحت المشكلة في المنظومة التي تتخذ قرار الحرب أكثر من الحرب نفسها. وزاد على ذلك تعقيداً دخول التكنولوجيا إلى قلب القرار العسكري بطريقة لم يعرفها التاريخ من قبل. فالطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي العسكري… كلّها أدوات تقلص المسافة الزمنية بين المعلومة والضربة. هذه السرعة الجديدة تجعل السياسة أقلّ قدرةً على ضبط الأحداث. وأصبحت الحرب معقّدةً بين التكنولوجيا والاستراتيجية والاقتصاد والرمزية السياسية. وكلّما ازداد هذا التعقيد أصبح من الأصعب إيقاف التفاعلات بعد أن تبدأ. وفي قلب هذه الفوضى الاستراتيجية، تظهر أحياناً مفارقات تزيد الشعور بعبثية الصراع. فالجميع يعرف أن الولايات المتحدة مستعدةّ تاريخياً للمضي في حروب مدمّرة تحت عناوين متعدّدة، منها حماية مصالحها النفطية وضمان أمن حليفتها إسرائيل. ويعرف الجميع أيضاً أن كثيراً من دول الخليج، رغم تحالفاتها التقليدية مع واشنطن، حاولت في مراحل عديدة تجنّب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران أو تقديم دعم واضح لأيّ تصعيد عسكري واسع، ومع ذلك اعتدت إيران على أهداف في الخليج.
أخطر ما في هذه المرحلة ليس استمرار اندلاع الحروب، وإنما السهولة التي يمكن أن تتوسّع بها، فالتاريخ يُعلّم أن كوارث كبرى كثيرة بدأت بأحداث صغيرة. الفرق أن حجم القوة التدميرية في عصرنا يجعل نتائج الخطأ أكبر بكثير ممّا عرفته الأجيال السابقة. لهذا يبدو العالم وكأنه يقف عند نقطة مفصلية في تاريخه، لأن النظام الذي كان قادراً على احتواء الحروب أصبح أكثر هشاشة. كل شيء يبدو قابلاً للتصعيد، وكلّ أزمة تبدو وكأنها قد تكون بداية سلسلة نارية أكبر، وفي قلب هذا المشهد تبقى المنطقة العربية، بما حملته من جراح خلال القرن الماضي، واحدةً من أكثر المناطق تعرّضاً لهذه الديناميات. قرن كامل من الحروب والتحوّلات العنيفة ترك أثره العميق في المجتمعات. تمتلك البشرية اليوم معرفةً وقدرةً تقنيةً لم يعرفهما أي عصر سابق، لكن هذه القدرة نفسها جعلت العالم أكثر هشاشة. ولهذا يبدو الزمن الذي نعيشه زمن مفارقة قاسية، فمن ناحية هو عصر المعرفة غير المسبوقة، لكنه أيضاً عصر خراب غير مسبوق.
هناك بعد آخر يظهر بوضوح في الحرب الدائرة اليوم، أن الصراع لم يعد مجرّد مواجهة بين دولتَين بقدر ما أصبح أداةً ضمن توازنات سياسية داخلية معقّدة. الحروب في الشرق الأوسط غالباً ما كانت وسيلةً لإعادة ترتيب الشرعية السياسية داخل الدول نفسها. إسرائيل، وفي كلّ مرّة تواجه ضغوطاً سياسيةً، تعيد توجيه الاهتمام العام نحو الخطر الخارجي. وهكذا يصبح الصراع في هذه المنطقة جزءاً من إدارة التوازنات الداخلية. وتكشف الحرب أيضاً تغيّر علاقة المجتمعات بالحرب، فالدول التي تتفوّق عسكرياً وتكنولوجياً (وهي هنا الولايات المتحدة) قادرة اليوم على خوض عمليات عسكرية من دون تعبئة مجتمعية واسعة. تُطلق حاملات الطائرات الصواريخ أو الطائرات المسيّرة من مسافات بعيدة، وتُدار العمليات عبر غرف تحكّم وشبكات رصد رقمية، بينما تستمرّ الحياة اليومية في مدنها الكبرى من دون أن تشعر بوجود حرب شاملة. هذه المسافة بين المجتمع وساحة القتال تجعل استمرار الصراع أسهل سياسياً، لكن المفارقة الأكبر تظهر في البنية الاقتصادية للعالم المعاصر. فالدول المتوتّرة في الخليج ترتبط في الوقت نفسه بسوق طاقة عالمية واحدة، وبشبكة تجارة واستثمار تمتدّ عبر القارّات. النفط الذي يشكّل أحد أسباب التوتر هو نفسه عنصر الاستقرار الذي تحتاجه الأسواق الدولية. ولهذا تبدو الحرب هنا مقيّدة بخوف الجميع من الانهيار الاقتصادي الواسع.
لم تعد المعضلة الكبرى في عصرنا اندلاع الحروب، بقدر ما هي النظام العالمي الذي لم يعد قادراً على ضبطها حين تبدأ. وتبقى الشعوب، خصوصاً في منطقتنا، تحاول ببساطة أن تعيش حياةً عاديةً رغم تاريخ طويل من الحروب التي لم تخترها، لكن مصيرها ما زال مجرّد تفاصيل صغيرة، وهامشية، داخل حسابات القوة الدولية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





