الصفح وملكية الألم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

سمر يزبك
كاتبة سورية.

 

منذ سقوط النظام في سورية، عاد سؤال العدالة الانتقالية وإمكانية الصفح إلى الواجهة، لا لأنّ العدالة لا تزال بعيدة المنال، وإنّما لأنّ حجم الجريمة فتح جرحاً يتجاوز القانون إلى معنى العيش المشترك نفسه، ليصبح الصفح سؤالاً عن الحقيقة والذاكرة، وحدود القدرة الإنسانية على الاحتمال.
في حديثه عن الصفح، يحاول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا تفكيك التصوّر السياسي الذي يجعل الصفح أداةً لإعادة ترتيب المجال العام بعد المذابح. المسألة عنده لا تتعلّق بفضيلة أخلاقية قابلة للتعميم، وإنّما بحدث نادر يقع في نقطة قصوى من التجربة الإنسانية، حين تواجه الذات جرحها خارج منطق المصلحة الوطنية الذي يدعو إلى نسيان الماضي الدموي. وهذا تحديداً ما يجعل الصفح معضلةً، وخصوصاً في الحالة السورية. لا تكمن المعضلة في حجم الجريمة وحده، بل في تحويل العدالة الانتقالية إلى خطاب جاهز يُستدعى قبل اكتمال كشف الحقيقة، فيُطلب من المجتمع أن يتفهّم، وأن يطالب بالعقاب على جرائم لم تنكشف حقيقتها كاملة بعد. هنا تبدأ المشكلة؛ فالصفح الذي يأتي بعد تطبيق العدالة يفترض وضوحاً في تسمية الجريمة وتحديدها، فيما الواقع السوري لا يزال يكتشف مقابره الجماعية هنا وهناك، ناهيك عن المقابر تحت حكم السلطة الجديدة.
وفي المقابل، لا يكتسب الصفح معناه إلا حين تواجه الذات ما لا يمكن احتماله أخلاقياً. الصفح الحقيقي لا يتّجه نحو الخطأ القابل للتبرير، وإنّما نحو ما يظلّ مُقاوماً للتبرير. لهذا تكتسب الجرائم الكُبرى طبيعةً مختلفةً، لأنّها تقوّض الأساس الذي يجعل العيش المشترك ممكناً. وهنا تظهر العقدة الأكثر خطورة: حين تُتَّهم قطاعات اجتماعية واسعة بحماية النظام أو بالدفاع عنه، يغدو السؤال الأخلاقي أكثر تعقيداً من سؤال الإدانة المباشرة. ففكرة الذنب الجماعي تبدو مغريةً لأنّها تمنح الضحيّة تفسيراً شاملاً للأذى، غير أنّها تُفسد فهم البنية التاريخية للجريمة. ذلك أنّ المجتمع الواقع تحت السلطة الشمولية القمعية لا يتحرّك وفق حرّية أخلاقية خالصة، وإنّما داخل شبكة كثيفة من الخوف والمصلحة والإكراه والتكيّف. هذا لا يمحو المسؤولية، بقدر ما يعيد توزيعها على نحو أكثر تركيباً. التاريخ هنا لا يُقرأ بمنطق البراءة الكاملة أو الإدانة الكاملة، لأنّ البشر في الأنظمة المغلقة يعيشون غالباً في المنطقة الرمادية، التي صاغها مفهوماً بريمو ليفي، بوصفها المجال الأكثر التباساً في فهم الشر. تتمثّل المعضلة الثانية في فقدان الصفح شرعيته حين يُفرض بقرار سياسي أو قانوني بذريعة تحقيق الاستقرار، فالألم، بحسب دريدا، لا تملكه الدولة، فهي ليست الجسد الذي عُذِّب، وليست الأم التي انتظرت ابنها أمام أبواب الفروع الأمنية، وليست الأب الذي انتُزع قلب ابنه أمامه. لهذا يغدو الصفح، حين يسبق الاعتراف الكامل بالجريمة، صورة من صور الاستيلاء على حقّ الضحية. والسلطة التي تمنح العفو عن جريمة لم تقع عليها، تعيد (بحسب دريدا) إنتاج منطق التملّك السياسي للألم.
ترتبط المعضلة السورية أيضاً بطبيعة الزمن. فالجريمة هنا لم تستقرّ داخل الماضي. أثرها لا يزال قائماً بوصفه بنيةً حيّةً: مئات الآلاف من المغيَّبين، والمدن مدمَّرة، والغالبية العظمى من اللاجئين ما زالوا في مخيّماتهم. هذا ما يجعل التفكير في الصفح، في اللحظة الراهنة، أمراً متعذّراً، لأنّ الجرح العميق لم ينغلق بعد. الصفح يحتاج إلى اكتمال الحدث حتى يصبح موضوعاً للتأمل الأخلاقي. ما لم يكتمل لا يمكن تجاوزه، لأنّه لا يزال يفعل فعله داخل الزمن الحيّ. والذاكرة في زمن المجازر الكُبرى ليست مجرّد وسيلة لحفظ الماضي، وإنّما في منع الجريمة من التحوّل إلى مادّة ميتة داخل التاريخ. الذاكرة تحمل وظيفة أكثر جذرية؛ شهادات الناجين، مثلاً، ليست مجرّد بقايا سرد تاريخي، بقدر ما هي بنية أخلاقية تحمي المعنى من الانهيار.
المرحلة الأصعب لن تكون تحقيق العدالة فقط، وإنّما تحديد ما إذا كان الصفح ممكناً أصلاً. هذا السؤال لا تجيب عنه السياسة فقط، لأنّ السياسة معنية بتنظيم العيش، بينما الصفح يمسّ طبقة أعمق من الوجود الإنساني: العلاقة بين الألم والمعنى. المجتمع الذي يخرج من الكارثة لا يحتاج إلى نسيان منظّم، بقدر ما يحتاج إلى الحقيقة المكتملة، يتذكّرها وينقلها إلى أجياله اللاحقة، الحقيقة وحدها تمنح الضحية حقّ اتخاذ القرار الأخلاقي الأخير. سواء بالاحتفاظ بجرحها في الذاكرة، أو بتحرير نفسها منه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...