عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في الوقت الذي تعيش فيه الساحة السياسية الأميركية على وقع الاستعداد للانتخابات الرئاسية 2024، وجد الأميركيون أنفسهم فجأة أمام “فراغ إعلامي” غير مألوف، بعدما غاب دونالد ترامب، مرشح الحزب الجمهوري والرئيس السابق، عن الأنظار لأيام، مثيرًا موجة من الشائعات حول وضعه الصحي، وحتى احتمال وفاته.
رغم نفي رسمي وسريع من البيت الأبيض ومصادر مقربة من ترامب، إلا أن تصدر وسم #WhereIsTrump منصات التواصل الاجتماعي كشف حجم القلق الجماهيري والانقسام الذي لا يزال هذا الرجل يثيره أينما حلّ أو غاب.
اختفاء ترامب عن الظهور العلني لأكثر من 72 ساعة، خاصة بعد اجتماع حكومي مطول، فتح باب التأويلات على مصراعيه. وفي بلد تتحرك فيه الأسواق والمزاج العام بتغريدة واحدة، فإن غياب شخصية مثله يفتح أبواب “الهلع السياسي”.
ما زاد الطين بلّة هو تصريح نائبه، جي دي فانس، الذي قال لصحيفة “USA Today” إنه مستعد لتولي المهمة “إذا وقعت مأساة رهيبة” — وهي عبارة كفيلة بإشعال آلاف التكهنات.
في الوقت نفسه، خرج الإعلامي المثير للجدل أليكس جونز بتصريحات تصب الزيت على النار، قائلاً إن “ترامب يمر بأزمة صحية خطيرة، ويبدو على وشك الانهيار”، دون أن يقدم أي دليل.
لم تمضِ ساعات حتى نشرت صحيفة “دايلي مايل” صورًا تظهر ترامب صباح السبت في حديقة البيت الأبيض، يرتدي زيه الرياضي المعتاد، برفقة حفيدته، متجهًا للعب الغولف. هذه الصور، رغم أنها بدت مطمئنة، لم تقنع الجميع، خاصة أن توقيتها جاء بعد تصاعد الشكوك لا قبلها.
هل تأخرت الإدارة في إدارة الأزمة الإعلامية؟ أم أن هناك من رأى في الغياب فرصة لقياس المزاج العام أو توجيه رسالة ضمنية؟
الصور التي ظهرت لترامب مؤخراً، أظهرت كدمة واضحة على يده. لكن طبيبه الشخصي سارع لنفي الشائعات، مؤكدًا أنها نتيجة “المصافحة المتكررة واستخدام الأسبرين ضمن بروتوكول وقائي”.
كما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض في تصريحات سابقة أن الرئيس يعاني من “قصور وريدي مزمن”، وهو أمر شائع لدى كبار السن، ولا يشكل تهديدًا حقيقيًا لحياته.
لكن هل تكفي هذه التبريرات لتبديد الشكوك؟ خصوصًا وأن جزءًا كبيرًا من جمهور ترامب لا يثق في البيانات الرسمية، بل يستمد معلوماته من المنصات البديلة والشخصيات المؤثرة التي تدور في فلك “ترامب-العالم”.
البعض يذهب إلى أن غياب ترامب “المفاجئ” قد يكون جزءًا من استراتيجية مدروسة تهدف إلى:
اختبار حجم التفاعل الجماهيري مع فكرة غيابه أو مرضه.
إعادة تسليط الضوء على حملته الانتخابية من خلال إثارة عاطفة أنصاره.
دفع الإعلام للانشغال بصحته بدل ملفاته القضائية المتعددة التي تلاحقه.
وفي كل الحالات، ترامب ليس سياسيًا تقليديًا، وأسلوبه في إدارة الأزمات يقوم أحيانًا على مبدأ: “دع العاصفة تتكلم بالنيابة عنك”.
غياب ترامب، ولو لأيام، أعاد إلى الواجهة المقارنات مع الوضع الصحي للرئيس الحالي جو بايدن، والذي يعاني بدوره من انتقادات بشأن سنه وأدائه الذهني. ومع تقدم الرجلين في السن، تزداد المخاوف داخل أميركا من أن تكون البلاد مقبلة على انتخابات بين مرشحين طاعنين في السن، يعاني كلاهما من تراجع بدني أو ذهني محتمل.
سواء كان غياب ترامب مدبرًا، عرضيًا، أم فعلاً بدافع الإرهاق أو المرض، فإنه أكد مجددًا حقيقة لا جدال فيها:
دونالد ترامب لم يعد مجرد رئيس سابق، بل بات ظاهرة سياسية تُحدث ضجيجًا حتى في صمته.
وبين الغولف والشائعات، والكدمات والبيانات، يظل السؤال مفتوحًا:
هل سيخرج ترامب أقوى من هذه العاصفة؟ أم أن غيابه المؤقت قد يُعيد رسم خريطة المعركة الانتخابية قبل أن تبدأ رسميًا؟





