حول كتاب: “الأسس النظرية والعملية لحوار العلوم وتكامل المعارف: بحث في أنساقها واستدلالاتها وتحقيباتها”
يأمل هذا الكتاب تأسيس وحدة العلوم، بناءً على وحدة المنطق ووحدة الكلمة، استناداً إلى قوله تعالى: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (يس: 82)، حيث الكلمة الإلهية تُعلّم الكلام البشري أبعاده وأفانينه، حيث تتطور الكلمة من الجزئي إلى الكلي، ثم تنتقل إلى قواعد ومعايير ومناهج، مولدة العلوم والمعارف حينئذ. وهذه كذلك تؤدي إلى استلزامات وتحاورات، عبر نظام تعليمي متين، لتشكل إبَّانَئذٍ “رؤية إلى العالم” (Worldview) تهندس العالم مادياً ومعنوياً، وتؤسس الحضارة.
فرَشَ الكتاب ذاته في مقامين، مقامِ كيانات نظرية، ومقامِ كيانات تطبيقية. يتقصد المقام الأول التنقيب في “براديغم” (Paradigm) العلوم والمعارف، كإطار نظري ماقبلي A Priori، يتحكم في الأفكار والمعايير والقواعد والقيم والمناهج، مؤسساً أصول العلوم النظرية واشتقاقاتها، وكياناتها العملية. فيفرع نسبها، وتلاحماتها، واستدلالاتها، وتحقيباتها، ويرسم شبكاتها المعرفية، وخرائطها، وأبعادها الحضارية والجمالية.
فيستأنف الكتاب تحليل البراديغم، محدداً أقسامه ومظَانَّه وقواعده. ويتطرق إلى البراديغم الأرسطي باعتباره قائماً على الفلسفة “الإغريقية”حكمةً وعقلاً، عبر مفهوم “المادة الأولى” الأرسطي كأساس للعلوم، ومشكِّلاً بمتوالياته النسقَ الأرسطي.
وعلى خلاف هذا، يتقوم البراديغم الشرعي يالوحي الإسلامي (القرآن العظيم والسنة الكريمة) كأساس للعلوم الإسلامية، مؤدياً إلى تلاقح بين العلوم الروحية (الإنسانية) والصلبة (الطبيعية) والوحيانية (الوحي) ونماذج تعالقاتها.
يحفر الكتاب جينالوجياً في تاريخ الأفكار وفلسفة العلوم عبر الحقب المعرفية الإغريقية والإسلامية والحداثية والمعاصرة، مقارناً بين المعمار المعرفي الإغريقي (الأرسطي) والمعمارِ المعرفي الإسلامي ومشابكاً بينهما. وذلك عبر التنقيب في:
-تأريخ وحدة العلوم عبر “منطق البراديغمات” وتحقيباتها واقتراضات المفاهيم والمناهج والمعاني وغيرها.
-رصد اتصالات وانفصالات خرائط العلوم الغربية والإسلامية.
-التحقيق في النظام التعليمي باعتباره انعكاساً لوحدة العلوم، عبر تاريخها الزمني والمعرفي وتحقيباتها العلمية، ليؤدي ذلك إلى وحدة حضارية.
-دمج المنهجي بالموضوعي، عبر كيان بيداغوجي (منهجي ومنطقي) وكيان معرفي (ابيستمولوجي).
بذلك، يحدد الكتاب نظرياً شروط تكامل العلوم، وصور الإشكالات في الأنظار الوحيانية والطبيعية والروحية، وعوائقها، وتحليل رتب الاجتهاد والنظر فيها.
وفي المقام الثاني، الذي هو مقام تطبيقي، يركز الكتاب على نماذج اشتباكات العلوم ببعضها بعضاً، وذلك عبر التأمل في علاقة المناهج بالموضوعات، والمقاصد بالهيرمينوطيقا، والفلسفة بالعلم، والنحو بعلم الكلام، والمنطق بالأخلاق، والتكنولوجيا (ذكاء اصطناعي، بلوكشين) بالعلوم الوحيانية والعلوم الروحية، وغيرها من العلاقات المعرفية والتقاطعات العالِمة.
وكل ذلك، يكون بغرض ترسيم أسسٍ جادة وصلبة لـتحاورات المناهج والموضوعات، وعلاقات العلوم الثلاث (الوحيانية والروحية والطبيعية)، وتأسيس الأنطولوجيات بالابيستمولوجيات، وتحديد نماذج الباحثين فيها (كمفهوم ‘الفيلسوف المجتهد’ وغيره، نحو بناء ‘الاجتهاد الفلسفي’)، وتوجيه الوحدة العلمية نحو البنية الحضارية، ومحاولة تأسيس “فقه نسب العلوم” كعلم جديد، يدرس علاقات العلوم (تكافؤاتها، تنافساتها، تشابكها)، ويروم تفكيك العلاقات التقليدية ونِسَبها، عبر كشفها، وتحليلها، وتفكيكها، وضخ تفكير جديد طيها، وتقفي استتباعاتها، ومتوالياتها، وتشبيكات تشبيكاتها (علاقات للعلاقات)، وإعادة تلحيمها، وخلق تقاطعات جديدة فيما بينها، وكل هذا عبر مساءلة:
- براديغمات الحقب المعرفية وتطوراتها،
- الحقب الابيستمولوجية نفسها وخصائصها،
- قيم تأريخ الأفكار،
- تقاطعات العلوم وارتحالات المفاهيم وسفر الحجج،
- تشبيك المنهجي بالموضوعي،
- خرائط العلوم الأرسطية والوحيانية والروحية والطبيعية المعاصرة،
- بناء مفاهيم ملائمة، مثل “مظنة العلوم المركزية”، “بناء علاقات للعلاقات”،
- تركيب نماذج تطبيقية لعلاقات علمية قد تبدو بعيدة عن بعضها بعضاً، وذلك مثل علاقة المنطق بالأخلاق،
- محاولة تأسيس “فقه نسب العلوم”،
- تجاوز “علاقات العلوم” إلى “مابعد العلوم”، خاصة في العلوم الإنسانية.
بهذا، كان منهج الكتاب منهجاً مركباً متعدد التخصصات ومتقاطعها، مستمَداً من العلوم المعرفية، وفلسفة الذهن، والمنطق، وفلسفته، والعلوم الشرعية، والدراسات الأدبية التذهنية. لكن لب هذا المنهج يتلخص في منهج الأنطولوجيات التأسيسية (Ontogenetics)، وهو منهج جديد يبحث في أصول الأمور وعلاقاتها، متجاوزاً إياها إلى النسق برمته، فيتغيَّا تقريب منهجيات العلوم الروحية والوحيانية ببعضها بعضاً، ودمجها في مركب معرفي-منهجي-منطقي، نحو جغرافية منهج واحدة.





